السبت، 23 مايو 2015

عبدالإله الياسري - غُربَةُ الرُّوح والمَنْفى

صورة شخصية للشاعر عبدالإله الياسري

- في شِعرهِ المنظوم


عندما تمتلئ المكتبات بالشِّعر ويُغَيِّب المنفى حضور الشاعر على الرَّف. لابد من مساحة للشاعر أو المفكر أو المناضل أو الأديب أو أي شخصية قد غابت عن مكانها او إدراكنا ولو من باب ان تكون تعويضة لما قد خفي...:

شراب غيري كأسٌ ملؤها الرّاحُ وملء كأسي متاهاتٌ وأتراحُ
ترتاح بالنــومِ أجفانُّ إذا تَعِبَتْ وأعيُني بإصطِحابِ النَّجمِ ترتاحُ


هذا هو مطلع قصيدة "أرق النجم-الغربة" التي تعبر عن غربة الشاعر الروحية وهمومه الإجتماعية الملتزمة بحب الخلق وليس كهم الأغيار من أصحاب السلطة الذين يركضون خلف الأرباح والجاه والشهرة. حيث يقول:

ولَيتَ همّي كَهَمِّ الناسِ مأدبةٍ وفيضُ مالٍ وكُرسِيٌ وأَرباحُ


وتنتهي القصيدة بهذين البيتين:


وَحدي بضجة ليلي صامتاً أبدا متى أصيحُ ويُجلي اللَيلْ إصباحُ
أنا الغريبُ بِجُرحٍ لا يُسَكِّنَهُ وَصلُ الحبيبِ ولا يأسوهُ جَرَّاحُ


وصدق د. سعيد عدنان حين قال: (من قرأ قصائده الأولى، أو سمعه يُنشِدُ شيئاً منها ظل يتسقط أخباره ويتطلب أشعاره). وكانت هذه أول القصائد التي سمعتها له؛ والتي ذُيِّلَتْ في كتاب مدرات صوفية للغائب الحاضر هادي العلوي فظلّت راسخة في مخيلتي واخذتها عنوانا اكتبه على صفحات دفاتري ومصادفة حين كنت أبحث عن قصائده توصلت إلى صفحة له على إحدى مواقع التواصل الإجتماعي فأحببت فيه روحه المتواضعة وحسه الإنساني. سَيُقال كيف عرفت ذلك من خلال وسيلة إفتراضية للتواصل. أقول لأنه لا يترك صغيرا ولا كبيرا إلا ويحيه ويشجع فيه الكتابه والإبداع.
وأقول أيها الياسري البعيد بالجسد القريب من الروح مهما غربت المنافي الطيور الجريحة تظل تحلق في سماء الحرية طالعة نحو قبلتها الأولى تحمل معها العراق اينما حلت فمن بغداد الى المغرب حتى كندا ما برحت تغنيها فقلت في "إنحناءات بين يدي بغداد":

ما للقناديل لم تُسرَج لقافِلَتي هل أوحَشَتها غيومُ الأرضِ أم صُوَري؟
ما للمرافئ لم تَضحَك لِأَشرِعتي وقَد تَحَطَمَ في آفاقِها كِبَري؟
تَمَخَضَ الجُرحُ عن آهٍ تُمَزِّقُني وأَعشَبِ الدَمعُ في كأسي وفي وَتَري


وردا على بغداد ووطننا العربي نقول إنه وإن لم تسرج لك القناديل في وطنك فإن آلاف القلوب تتوقد حين تسمع آلام هذا المعنى، وإن لم تضحك لك المرافئ فإن مئات الأفئدة تصبح مرافئ تستقر بها حين تشعر غربتك، وليس لهذا الإستقرار لشِعرك في الفؤاد إلا تمظهرا او تجليا لثنائية الألم والغربة التي إمتزجت بالمحبة والحنين في ذاتك:


ها أنا يا بَغدادُ جِئتُكَ ميتاً قِفي وإخلطي الحناء بالمدمع الهامي


- في شِعرهِ الحُر


1/

وقفت تتسول في باب القحط الغيمة
تتضرع تقرأ أدعية الغيثِ
والقحطُ لها يُقفِلُ سَمعه
لن تَكسِرَ فَرحَتهُ دمعه
والقَحَطُ يُهاجِرُ
وتَظَلُّ الغَيمةُ واقفةَ في البابِ الموصدِ خجلانه


2/


ما عاد العصفور يُزَقزِق
ما عاد لزقزقته من أفق
الآفاق إنغلقت
والمفتاح يصيرُ نَعيق


حول المقطعين علّق د. سعيد عدنان: (إن الغيمة السائلة هي العصفور الذي فقد زقزقته وهي الأفق المغلق كلها كان يُنبئ عما كان يكتنف الشاعر ويزيد من غربته ويريه ضيق الأفق وإنسداده).


3/


حيرانٌ عِطرُ القَدَّاح
ما بين الصَخرةِ والصَخرَة
لا الصَخرةُ يُورِقُ فيها الحِسُّ
ولا القَدَّاحُ يُخبِّئ عِطرَه


في هذه القصيدة يُشَبّه الشاعر نفسه بالقّداح وغربته الفكرية والروحية إضافة لغربة الوطن بعطر القدّاح ما بين صخرتين لا ينمو فيهم الحس ولا الشعور برائحة عطره الزاكي، ولكنه رغم كل هذا الواقع الأليم لا يُخَبِّئ عطره.


- بيتان


في حق الشاعر الياسري كتبت بيتان اقول فيهما: 

كَم يَرفَعُ المال سُخفُ لا جمالَ به ولا حُسنُ ولا فِكرُ وإخلاقُ
ويُلحِقُ التاريخُ كم مِن عالِمٍ فَطِنٍ في حُقبَةِ الإهمالِ جَرَّ المَوتِ إلحاقُ


وذلك حين سألته: (لِمَ تَغيب أشعارك ودواوينك عن مكتباتنا تلك الأشعار التي تتغنى بالمرأة كروح وبالغربة الروحية في الوطن وخارجه في المنفى؟)
فإختصر عليّ قائلا: (أنا لا أريد الشهرة ولا أحب المنافسة بين الشُعراء. كذلك الطيور هي مثلي أو انا مثلها...).
تُرى كم تَغيب عن الكواكب عقول كالشاعر عبدالإله الياسري ولا نعرف عنها شيئا؟... بينما تُسمع أصوات النعيق بل وحتى النعيق لا يمكن أن يؤذي بشرا مثلما تفعل هي. ولم تُكثَر فيها الأصوات لأنها على الحق بل لأنها فقط تتلاءم مع الآيدلوجية المسيطرة. اما أنا أبحث عمّا هو غير ملائم أحيانا بل من لا حول له ولا قوة غير كلماتي أهديها له واكتب فيه أشعاري مستفردا في حق من لا صوت لهم غيري، ولست ممن يَشعَر ولكنه يخرج من تلقاءه حين يُصادف امثال هؤلاء الذين أسميهم أولياء بلا نبوءة، أو أنبياء لا ولي لهم.


الأربعاء، 6 مايو 2015

قراءة في "التشيع العلوي والصفوي" لـ "شريعتي"


غلاف الكتاب

أولا لابد أن نعترف بأن فكر الكاتب والكتاب يُعتبر نقلة تقدمية في فكر المذهب الشيعي خصوصا في المرحلة التي عاشها الكاتب من صراعات على السلطة بين التيار الديني الشيعي في إيران وبين النظام الإيراني للشاه. يتوغل الكاتب في هذه المرحلة الحرجة في كيان الفكر الشيعي وتراثه لينقد ويتحرى ليضيء دربا متزنا للشيعي الثائر أنذاك.

عمل الدكتور علي شريعتي في هذا الكتاب على توضيح الوجهان المختلفان للعملة الواحدة التي يصعب التفريق بينها خصوصا من قبل الفرد الشيعي نفسه. وهي دراسة إجتماعية مقتصرة على تفسير تطور وانحسار بعض القيم والمبادئ والمفاهيم في دائرة التشيع؛ مقاربا بين "التشيع العلوي والتسنن المحمدي"، و"بين التسنن الأموي والتشيع الصفوي" من ناحية أخرى وان كلا الخطان (العلوي المحمدي) و (الأموي الصفوي) يوضعان في قوس واحد فـ (التشيع العلوي والتسنن المحمدي) لهما نفس الدوافع السيا-اجتماعية لنشأتهما والذان يختلفان ويتصادمان مع الأسباب الواقعية التي انتجت "التسنن الأموي والتشيع الصفوي" والأخيران في قوس واحد ايضا، فالعلوي هو مسلك الوحدة والثورة على الطغيان والصفوي هو مسلك الفرقة والجور دفاعا عن الطغيان والسلالة الحاكمة.
كما أن الأول هو تشيع أحمر يعني الثورة والنضال والعمل من اجل التغيير في خدمة الناس، والثاني تشيع اسود هو تشيع الحزن والبكاء والمديح والحب لأهل البيت. الحب الذي هو دون المعرفة ما اكسب التشيع طابعا مغاليا وتنافسيا معاديا للطرف الآخر؛ الطرف الآخر لا يقتصر على من يختلف معه في المذهب بل حتى مع الآخر من نفس لونه الذي يعتبر الحب نتيجة من نواتجِ المعرفة وليس سابقا عليها، واصبحنا نعرف بعد هذا الكتاب ما هو الهدف من مثل هذه الأحاديث القدسية التي وضعها التشيع الصفوي لخدمة سياساته وروجها للناس ليختزل جميع الآمال والتطلعات والأحاسيس والمسؤوليات للإنسان الشيعي في دائرتين ضيقتين، هما: العزاء، والعداء للسنة، ليقولوا على لسان الله: (محب علي في الجنة ولو عصاني، ومبغض علي في النار ولو أطاعني). وهو كقول المرجئة: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق). فيصبح شرط الإيمان فوق شرط العمل بينما القرآن قدم شرط العمل على شرط الإيمان: (ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره). وكذلك يرى التشيع العلوي الذي يبدو من فكر شريعتي متسامحا مع الأفكار الأخرى ومتشددا نحو الظلم والجور.



- بين العودة إلى الذات وتفكيك الذات


بالرغم من أن شريعتي ظل مثقفا ملتزما ومؤمنا بنظرية العودة الى الذات وليس تفكيكها لم يسلم من الإتهامات اللاذعة من قبل رجال الدين وحتى من الجماهير لأنه نقد الأفكار الراسخة والمكونات الرفيعة للتشيع الصفوي فصار يُتّهم هو الآخر بالإنحراف والعمالة إلى الغرب.

علي شريعتي كان يعرف ان يوازن بين دروس علم الإجتماع التي تلقاها في فرنسا والتي اثرت على فكره ونشاطه وبين الجغرافيا الشيعية التي ينتمي لها او بالأحرى يشتغل عليها وهو جمهور إيران الواسع، فهذا الجمهور هو من وقف في وجه تفكيكه للتراث تفكيكا علميا وحصر نطاق عمله في الفروع او تطورات المذهب مبتعدا عن نقد الأصول او تفكيك الأسباب الإجتماعية والصراع الطبقي لنشوء الفرقة ثم تحولها لمذهب وطائفة وتطور أفكارها، ليقول مثلا: "عندما نقول المذهب الجعفري ليس المراد هو ان المذهب الشيعي قد إختُرِعَ من قبل الإمام الصادق (ع) بل كلنا يعلم أن التشيع بدأ مع بداية الإسلام". وفي الواقع أن المذهب الشيعي هو من تأسيس جعفر الصادق كمذهب ولم يكن في بداية الإسلام مذاهب إنما كان هناك من يميلون حسب تكوينهم الشخصي لعلي بن أبي طالب ويُناصِرون مبادئه وأبرزهم: أبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر. أما الحديث عن المذاهب الفقهية فإنها تكونت بعد مرحلة علم الكلام والفِرَق الكلامية التي فسرت الآيات وفقا لموقفها من الوضع السياسي للصراع الإسلامي.

أوقعت ميول شريعتي الأيدلوجية قارئيه في أخطاء لا يمكن ان ينكرها أحد ممن لديه معرفه بالتراث او حتى قراءة بسيطة فيه وهو قوله: "إن أئمة الشيعة الذين قادوا حركة المقاومة على مدى قرنين ونصف من الزمن قد قضوا ما بين مسموم أو مقتول في هذا الطريق الجهادي الرامي لتخليص الناس من ممارسات الجهل والخوف" - أو قوله: "إن أغلب حالات الثورة والتمرد على جور الحكام والظالمين كانت تنطلق على مرتكزات شيعية وعن قاعدة شعبية تؤمن بالتشيع الحقيقي".
 من المعروف في تاريخ أئمة الشيعة انه ومن بعد الحسين في كربلا انتقلت المعارضة الثورية المباشرة والإصطدام الجهادي مع الامويين لأطياف أخرى قادها جمهور الناقمين على السياسات الأموية-العباسية من بينهم شبيب الخارجي  الذي قيل في بطولته ما يشبه بطولة الحسين وكانت أمه غزالة معه وقتلت في المعركة مثلما كانت زينب مع الحسين في معركته إلا انها لم تقتل ولم تحارب كغزالة بل قادت المعركة السياسية مع الأمويين بعد مقتل أخيها، ولولا صورة الفاجعة الكربلائية كما يُذكَر لكان لشبيب موقع بارز في حركة المقاومة ضد الأمويين وقد ظلمه التاريخ حين تركه في زاوية معتمة.
كذلك نذكر صاحب الزنج الذي قاد جمهور الزنوج المستعبدين ولم يكن هو زنجيا بل عربيا حركهُ وجدانه الإنساني للوثوب وقيادتهم في ثورة مسلحة.
ايضا حمدان بن الأشعث (قرمط) زعيم حركة القرامطة في العراق وهم ما يطلق عليهم المؤرخون المعاصرون للثورات الإشتراكية الحديثة (إشتراكيوا الإسلام).
إضافة إلى الحارث بن سريج الذي كان من جنود الأمويين وثار على مظالمهم واقفا مع المظلومين من غير العرب في شرق آسيا.
كذلك ثورة زيد بن علي التي كان فيها موقف ابو حنيفة النعمان شبيها بموقف جعفر الصادق مؤيداً وقد دعم فقيه الحنفية هذا ثورة زيد ضد هشام بن عبدالملك بمبلغ من المال يتراوح حسب ما ذُكر بين عشرة آلاف درهم وثلاثين ألف دينار...وتطول قائمة الثوار لأنهم جمهور المستضعفين الذين لا يُحصرون في حقيبة أيدلوجية معينة وإنما يحركهم وعيهم ووجدانهم المؤنسن إضافة إلى تعرضهم الشديد للمظالم.


- مقتطفات نقدية لـ د.علي الديري في فكر د. علي شريعتي

* هناك أفكار حقانية في ذاتها لكن حين تضعها في جغرافيا جسد المجتمع يتكشف وجهها غير الحقاني.
* جغرافيا شريعتي تعلمك ألا تنخدع، فليس هناك حقانية معلقة في السماء.
* شريعتي مثقف ملتزم وهذه الصفة هي مصدر قوته، وفي الوقت نفسه مصدر ضعفه بوصفه مفكرا
* الهَمّ الآيدلوجي يتطلب إبعاد التفكير في كل ما يتسبب في تفكيك الذات ولو على المستوى المعرفي؛ فالذات أحوج ما تكون في هذا الظرف إلى الصفاء النفسي، كي لا تزعج نفسها بكشف عورات نظم تفكيرها.


- المصادر

* التشيع العلوي والتشيع الصفوي - علي شريعتي 
* شخصيات غير قلقة في الإسلام - هادي العلوي
* خارج الطائفة - علي الديري





الاثنين، 13 أبريل 2015

الأبعاد الفلسفية لفيلم بي.كي (PK)

غلاف الفيلم




كانت الكلمات الأخيرة في الفيلم بمثابة الرسالة الرئيسية. والذي يصنف ضمن أفلام الدراما الكوميدية الرومانسية وهو من إخراج وتأليف (راجكومار هيراني) ولكننا نظلم الفيلم حين نشاهده كأي مشاهد لدافع الاستمتاع ونهمل الرسالة الفلسفية له. وهي رسالة إنسانية جريئة أراد المخرج إيصالها بإسلوب درامي، وكانت المناقشة الأخيرة بين الممثل (ساوراب شاكلا) الذي مثل دور رجل الدين الهندوسي (تاباسيو) و الممثل (أمير خان) الذي قام بدور "بي.كي" هي الأكثر حزما والفكرة النهائية التي أراد أن يقدمها المخرج، وهي مناقشة تعبر تعبيرا صريحا عن الفكر الربوبي عند الفلاسفة القدماء.



نص المناقشة (مترجم)



يبدأ تاباسيو بالحديث، قائلا: "الرب قال إبني معبدا، و بي كي يقول لا تقوموا ببناءه، لمن يجب أن ننصت؟ هل هو إله أم مجرد رجل؟! أولا قال لا يمكن إيجاد الرب، ثم قال إن الرب محتال! غدا ربما سيقول إن الرب قد مات!... يا فتى ما الذي تريد، عالم لا يوجد به رب؟! وأنت تقول أنك تتأذى من مآسي الناس وأن بعضهم لا يملك خبز ليأكله؟! والبعض ليس لديه سقف يأويه؟ هؤلاء من ليس لديهم صديق حتى يتحدثون معه؟!... هل تعرف كم من الناس يقتلون أنفسهم بقطع معصمهم أو شنق أنفسهم.. لماذا يقومون بذلك؟!... لأن ليس لديهم أمل. وعندما يأتي الرب ويضع نقطة على جبينهم وخيطا حول معصمهم ويعطيهم الأمل في الحياة فمن أنت حتى تسلب هذا الأمل منهم؟ وإن كنت حقا تريد أن تنتزع الرب من حيوات هؤلاء الناس أخبرني من ستعطي لهم بديلا..."

بعد صمت طويل يرد -بي. كي- في حزم وحزن: "أنت على حق يا تباسيو، هناك أحيانا لم أجد فيها الطعام أيضاً، ولم أجد منزلا ليأويني بكيت كثيراً فليس لدي أصدقاء حتى. لدي شيء واحد فقط -إله-. كل يوم كنت على يقين أن الغد سيكون أفضل، أن إلهي سيخرجني من ضيقي بشكل ما. أنا أقر بذلك. أنا أثق بربي وهو من يعطيني الأمل، سأتغلب على الصعاب بالقوة والإرادة التي يمنحني إياها. لكن لدي سؤال واحد فقط: أي إله يمكنني أن أثق به؟ تقولون جميعا أن هناك رب واحد، أنا اختلف معكم هناك إلهان؛ إله قد خلقنا جميعا وإله أنتم خلقتموه، نحن لا نعرف شيء عن الإله الذي خلقنا، لكن الإله الذي خلقتموه يشبهكم تماما"



إلتفاته


نقطة قد تحسب للفيلم أو عليه. وهو الطابع الكوميدي الذي يرى البعض أنه لا يرقى لجدية الرسالة التي أراد تقديمها. وبعض آخر يجد أن الطابع الكوميدي يضيف نوع من الهزل حول واقع النرجسية التي تصيب أهل الدين فيستعلون على الخلق بدينهم وكل يرمي الآخر بالجهل والتجريح والصراعات. لهذا اتهم الرازي أهل الدين بتجهيل الناس.



الفكر الربوبي في الاسلام


يعزوا الغربيون ظهور المذهب الربوبي إلى الإنجليزي هربرت أوف تشربري (١٥٨٣-١٦٤٨). ويؤكد اللغوي وباحث الفلسفة العراقي (هادي العلوي) هذا التزمين بالنسبة لظهور المصطلح لكنه كفكر كان يسبق تشربري بقرون إذ أقر به أبيقورس الإغريقي (٣٤١-٢٧٠ق.م) الذي أنكر الديانات وأكد وجود الآلهة وهو جوهر الربوبية. وكان الغنوصيون زهادا ربوبيون إذ كانوا يرون أن العالم من إنشاء الشيطان أو قوى الظلام نتيجة صراعها مع قوى النور أو الآلهة ومنها فسروا غلبة الشر على الخير في العالم وأعطوا الشياطين القدرة على صنع عالم مليئ بالشرور والصراع والفساد ونزهوا الآلهة عن صنعه فرغبوا عن مطالب الدنيا سعيا في طلب الحق الاسمى. ولم يستثني المعري الديانات في محاولاتها للوصول للحق بل جعلها سببا رئيسا للحروب والدماء والصراعات البشرية:

"إن الديانات ألقت بيننا إحنا     وأودعتنا أفانين العداوات"

ومن الربوبيين في حضارتنا العربية الإسلامية الفيلسوف أبو بكر الرازي الذي قال: "إن الحكمة كانت توجب أن يكون الإلهام مشاع بين الناس حتى يتساووا في المعرفة  ويتجنبوا التقليد. وهذا أفضل من أن يجعل بعضهم أئمة بعض فتصدق كل فرقة إمامها وتكذب غيره ويتخاصم الناس ويهلك بعضهم بعضا".
المتصوفة ربوبيون في جملتهم لأنهم يتذاهنون مع الحق مباشرة دون وساطات، وينقل عن إبن عربي في فصوص الحكم انه قال في الفص العاشر: "أياك أن تتقيد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه...فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها" وللجنيد قوله: "لون الماء لون إنائه" وفصله ابن عربي في قوله: "إن الإله هو عين الحق الذي يخلقه العبد في قلبه بنظره الفكري أو بتقليده وهذا الإله يتنوع حسب الاستعداد الذاتي للمحل -أي لصاحب الاعتقاد-". وسألوا إحدى المتعبدات الصوفيات: "كيف يوجد الحق" قالت: "وجدان الحق بلا كيف" لأن الكيفية تختلف باختلاف نظر الفرد للحق في قلبه. والتجربة الصوفية تجربة فردية تمثلت في أقطاب التصوف الأوائل وقد فقدت معناها حين تحولت إلى دين يجري على التقليد والدروشة مع بداية العصر العثماني.
يستنتج هادي العلوي في مداراته الصوفية عن الفص الأخير لابن عربي انه كان يقر بوجود إلهين. وهذا يذكرنا بما قال "بي.كي" في الفيلم: "إله الأديان الذي جاء بعد الانسان والذي يدخل قلوب المؤمنين لمحدوديته. والإله المطلق الذي يسبق الموجودات والذي لعدم محدوديته غاب عن الأفهام، ولم يبلغه الحرف، ولا يدركه مقام. وهو الوجود المطلق والوجود الحق بإختلاف أسماءه"


مصادر


الرحمن والشيطان - فراس السواح - فصل الغنوصيون.

شخصيات غير قلقة في الاسلام - هادي العلوي - فصل الرازي
مدارات صوفية - هادي العلوي - طبعة 1997 - ص 82


الجمعة، 27 مارس 2015

الفكر الروحاني والسلوك الروحاني





"إن التدين لا يشترط الزهد. وكان سلاطين المسلمين بعد علي بن ابي طالب متدينين ربما أكثر من علي إلا في القلة من سفهائهم كالوليد بن يزيد. وكانوا لذائذيين في نفس الوقت. كان الرشيد يصلي في اليوم مئة ركعة إضافية، وكانت صلاة النبي محمد لا تزيد على إحدى عشرة ركعة وكان يحج عاما ويجاهد عاما. والرشيد في نفس الوقت وحش جنسي وبهيمة لذائذية"

- هادي العلوي، مدارات صوفية



بين الفكر الروحاني والسلوك الروحاني بون شاسع، فإلى من يجعلون الفكر الروحاني أساسا لتقييم سلوك الإنسان.. اكتب هذه المقالة. وهي ليست لنزع هذا السلوك من فئة وجعلها في فئة. بل لتوضيح مواقعها في فئات اخرى مجهولة، ونزعها من الحصر التام.

ويبدو في التاريخ أن الفكر الروحاني كان في كثير من الاحيان ولا يزال أداة استغلال سياسي، فعندما يكون رجل دين إيراني مثل (علي رفسنجاني) ثاني أكبر مليونير في إيران ويُلَّقَب بـ"أكبر شاه"، فماذا يبقى للجياع؟ وعندما تبحث معظم وإذا لم يكن كُلَّ الحركات الأصولية في شبه جزيرة العرب عن إشباع كروشها وشهواتها فتتواطئ مع الحُكام والغرب ضد الشعب، فماذا يبقى للدين؟

ذكرت صحيفه البيان في العام ٢٠١٢ عن صحف عالمية بأن رئيس الأوروغواي (خوسيه موخيكا) الذي مسك الرئاسة من فترة  ٢٠١٠ إلى ٢٠١٤ هو أفقر رئيس دولة في العالم، فهو لا يزال يركب سيارته "الفولكس ويغن" القديمة، ويتبرع بـ ٩٠% من راتبه للطبقة الفقيرة من الشعب، وينزل الشارع بلا حرس، ويرفض السكن في قصر الرئاسة؛ على غرار الحكيم الإسلامي علي ابن أبي طالب عندما رفض العيش في قصر الإمارة مفضلاً العيش وسط احد الأحياء الشعبية.
وبعدما انتصرت ثورة الجياع ١٩٩٢م في فنزويلا عاش قائدها تشافيز كما كان قبل الثورة، وخصص برنامجاً على القناة المحلية ليظهر للشعب بنفسه ويسمع شكاواهم. 

لقد عرف حكماء اللاتينية الإمام علي دون قراءته، فهم لا يملكون فكرا روحانيا، ولكن سلوكهم يخرج من رحم المأساة وإلتزام طبقي نحو الجياع، وهذا الإلتزام إنساني لا يمتلك ثقافة روحانية.

فعندما يكون الأصوليون بعيدون عن الأصل يُغرِقون الشعوب بالحلم الأخروي، بينما يعيشون هم في النعيم المادي. أو يُلزمون العامة بالزهد والتّعبد، ويتركون الساحه مفتوحه للحاكم، وقد يتواطئون معه على العامة فيبعدونهم عن الثورة والمطالبة بحقوقهم المادية، كما حدث في كثير من مواضع التاريخ الاسلامي والمسيحي.
فعندما يعجز الدين عن الثورة يتحول الى أفيون، كان هدف الانبياء اجتماعي انساني في جملتهم، واصبح الهدف منه فكري احترابي، فجعلوا غاية الدين العبادة، بينما أرادها الأنبياء وسيلة تهذيبية أسمى من الفرض نفسه.
وهذا لا يعني ان رجال الدين لم يخوضوا النضال ضد الحكام والاستعمار في جغرافيتنا العربية فهناك ثورة العشرين في العراق وثورة الخميني في ايران، ولا يخفى ان افضل مقاومة في الوطن العربي اليوم هي التي يقوم بها حزب الله، ضد المشروع الصهيو-امريكي.
ولكن هذا المقال يعطي للروحانية مفهوم اوسع من مفهومة الفكري، وهو السلوك الذي على اساسه نقيم الإنسان.

الخميس، 27 نوفمبر 2014

من هما "ستيفنسون وجوستين" ليعلما "شاو يونغ" السعادة؟




قبل أن يعرف الإنسان الإقتصاد النقدي كيف كان للعالِمان الغربيان ان يستنتجوا معنىً لـ "شراء السعادة"؟! ولكن لكل استنتاج بيئته التي يشتغل عليها وتشتغل على الفرد. ولمعرفة منطلقات استنتاج العالمان لشراء السعادة علينا الرجوع للبيئة المدروسة، التي هي عينها البيئة الرأسمالية الغربية، حيث جعلت من كل شيء سلعة، لم تستثني أي من الفن والعلم والجمال... وحتى الإنسان.

منذ القدم خاضت الثورات الانسانية صراعا مريرا مع السلطة المركزية المستحوذة على المال، فقال المسيح: "إنَّ حب المال وحب الله لا يجتمعان" وحب الله الذي كان يعنيه في مشروعهِ هو حب الخلق وإسعادهم، حيث وجد في الدولة الرومانية غريما سياسيا وإجتماعيا مستحوذاً. وكان هو يسعى لدولته الفاضلة حيث يعيش فيها المحكوم فلا يستعبد ويعيش الحاكم ولا يتسيد، فقتله الرومان بعد أن تحسسوا خطر حركته وصلبوه بالتعاون مع الارستقراطية اليهودية.

علي بن ابي طالب: خاض صراع مع اصحابه ضد مشروع سلطة مركزية اسلامية تشكلت بعد ذلك في الدولة الاموية وملكها العضوض، حيث ألزم نفسه بالحرمان بعد ان استلم الخلافة وقال "من ملك استبد" فالمال عنده مضنة فساد واستبداد حين يزيد عن حاجة الفرد ويمنعه عن الناس. وفي تفسير الفخر الرازي تعيقبا على آية: "ويل للمطففين" قال: من طلب حق نفسه من الناس ولا يعطيهم حقوقهم بقدر ما يطلب لنفسه فهو من هذه الجملة. وسكن علي في حي الرحبة احد احياء البصرة البسيطة إبّان خلافته متخليا عن قصر الإمارة، ويذكر تقشفه في الاكل حين استخلف لانه متلزم برعية يريد اشباعها "وحسبك داءٌ أن تبيت ببطنةٍ وحولك أكبادٌ تحنُّ إلى القِدِّ".

- القِد: إناء يُتخذ من الجلد.

لينين: قائد الثورة البلشفية في روسيا، مات في النصف الاول من عمره، وقد امتنع حتى عن اكل الاطعمة التي ألزمها الطبيب له لتحسين حالته الصحية لأن الروسيين لم يجدوا طعاما كافياً، جرى على خطه نظيره الأروغواني خوسيه موخيكا الذي قاد حركة التوباماروس الماركسية المسلحة في صباه لمقاومة النظام الرأسمالي، ويحكم الارغواي من ٢٠١٠ حتى الأن، يعيش في الريف وسط الناس ويتكسب من عمل يده حيث يبيع الأزهار مع زوجتهه ويتبرع بـ ٩٠% من راتبه الحكومي لفقراء الأروغواي.

هادي العلوي: كاتب عراقي من القرن الماضي ضمن الذين كتبوا في تاريخ الصراع البشري. وبيَّنَ سلوك المالكين المتفردين بالسعادة الذين اتسموا بالمجون والفساد. وأولائك الذين أشاعوا السعادة بين الناس من ضنائن الله واحباب الخلق واصفاً معنى المثقف الكوني وهو "من لا يملك شيئا ولا يملكه شيء" ووجه رسالته في مدارات صوفية لمريديه في مواجهة ثلاث محاور "سلطة المال وسلطة الدولة وسلطة الآيدلوجيا" ووضع صلاة يومية يأدب بها نفسه، هذا نصها: "سلام عليكِ أيتها الروح السارية في وجودي. أيتها النار الأبدية التي تتوقد في صدري فتحميه من برد النسيان. سلام عليكِ أيتها الحروف العاليات. هأنذا أبدأ يوماً جديداً من صراعي ضد الأغيار الأربعة مستعيذاً بك من الخساسات الثلاثة ومستمداً منك القدرة على الاقتحام. يا معيني على البلوى أعنِّي على التأويب في ديار الهم والغربة."

- الأغيار الأربعة: الحكام، المثقفون، الرأسمالية، الاستعمار.- الخساسات الثلاثة: السلطة، المال، الجنس.

وقد اسس هادي قبل رحيله "جمعية بغداد المشاعية" وضع فيها ما يزيد عن حاجته من ايرادات كتبه لتوزع على فقراء العراق.


شاو يونغ: فيلسوف صيني من القرن الحادي عشر الميلادي وضع مفهوم للسعادة نختتم به مقالنا وذلك بعد أن هجر حياة الاباطرة وسكن منعزلا على ضفاف نهر لو لثلاثين عام، وتعرف قصيدته في الصين بأغنية السعادة، هذا مقطع منها:

"إسم سيد السعادة مجهول 
من ثلاثين سنة يعيش على ضفاف نهر"لو"
مشاعره مشاعر الريح والقمر 
روحه على النهر والبحيرة
ليس عنده من فارق بين المنصب العالي والمنصب الواطي
بين الفقر والغنى
لا يجري مع الأشياء ولا يساهم فيها
لا قيود عنده ولا تحريمات
فقير لكنه غير آسف"


الثلاثاء، 1 يوليو 2014

معركة القديم والحديث في العصر العباسي




   تقديم


قل لمن لا يرى المعاصر شيئا                ويـــرى لـلأوائــل التقــــديما

إن ذاك القــــــديم كــان جـديدا                وسيغدو هذا الجديـــد قــديما



هل معركة الجديد والقديم مستمرة في حركة التاريخ؟

ان معركة الجديد والقديم ليست جديدة بل إن هذا الصراع صراع إنساني منذ نقطة البدء، وهو صراع الأنبياء والمصلحين والفلاسفة على واقعهم الإجتماعي. واليوم هناك حقيقة علمية في قراءة التاريخ تقول بأن لكل تجديد ثقافي وفكري تاريخ مادي يسبقه على ارض الواقع, هذا التاريخ  بما يحمل من صراع واقعي (سياسي إجتماعي)، فالمعرفة لا تولد فجأة مع الحدث فالإنسان يكتسب المعرفة من محيطة الخارجي بما فيه من أفكار وصراعات واقعية. على سبيل المثال, كانت الثورة الإسلامية الاولى تعتبر نقطة البدء والمفصل الذي غير وجه الإنتاج الأدبي والفكري العربي, والذي كان يسبقه حالة تجديد وإنتقال مادي من المجتمع القبلي الذي يعتمد نظام الأسياد والعبيد إلى النظام الإستثماري النقدي في العصر الجاهلي الأخير, ثم الإقطاعي مع بداية العهد العباسي. والصراع بين الجديد والقديم صراع طويل يبدأ وكأن الغلبة فيه للقديم ومن ثم يتعايش القديم مع الجديد ومن ثم يفرض الجديد نفسه إذا ما إشتد ساعده في حركة تأبد مستمرة. وتاريخ الفكر الإسلامي لم يبدأ فجأة مع الثورة وإنما بعدها بقرن تقريبا من الصراع بين القديم الجاهلي والجديد الإسلامي مكللاً بـ "علم الكلام" في أوائل العهد الأموي، ومن ثم أنتج لنا الفقه والمذاهب والتصوف، مع الفلسفة ملقحة بالأرث اليوناني.

ونستطيع أن نقول جازمين الآن بأن هذا الصراع غير ثابت او متوقف بل هو صراع مستمر في حركة التاريخ ما دام الإنسان ينتج معنويا وماديا وما دام العقل البشري مستمر في التطور والحركة.


أحمد السعيد / يونيو 2014


معركة القديم و الجديد في العصر العباسي


بدأت الدولة العباسية بالتأسس في ثلاثينيات القرن الثاني الهجري بعد ضعف الدولة الأموية سياسيا وانحلالها، وبعد قرن من الزمن على التأسيس العباسي دخل الإقطاع على الإستثمار التجاري، وبدأت تأخذ المباني بالإزدهار.

في هذا الواقع من التحول في نظام المعيشة وكل حركة الإنتاج المادي، كان لا بد لحركة الأدب أن تتغير وتستجيب، فقد أصبحت هناك مدرستين "للشعر" أقوى الفنون الأدبية عند العرب؛ مدرسة تقليدية تريد الحفاظ على النظام التقليدي في بناء القصيدة والتي كانت في الجاهلية وصدر الإسلام والعصر الأموي، والتي تبدأ بذكرى الرحيل ووصف الأطلال والإبل ومشاهد الصحراء ثم الدخول فجأة في الموضوع أياً كان مدحٌ أو رثاءٌ أو غزل.

في الوقت نفسه كان هناك في الكوفة والبصرة وبغداد التي كانت تضم مختلف العلوم والمنفتحة على الجديد تحاول التمرد؛ فكيف يعبر الشعر الجديد الحضري بلغة البادية وتراكيبها واساليبها وأوزانها. إن دعاة الجديد كانوا يشعرون أن حاجات حياتهم وجديدها يتطلب منهم شعرا حضريا يندمج مع الحياة المستجدة بأفكارها ومعانيها ومشاهدها العمرانية والطبيعية من قصور وحدائق وغناء ورقص وخمريات...

يذكر المؤرخ وباحث الفلسفة اللبناني حسين مروه في "تراثنا كيف نعرفه" ما أكدنا عليه في المقدمة: "انه بالرغم من التحولات السياسية والإجتماعية والفكرية التي حدثت بعد قيام العباسيين، لم يحدث تطور في الأدب يتناسب مع هذه التحولات إلا بعد إنقضاء وقت طويل, وبعد رسوخ التغيرات الجديدة في كيان الدولة وفي النظام الإجتماعي وبعد أن أصبحت التحولات الفكرية جزءاً كيانياً من المجتمع العباسي"

ونجد في تاريخنا المعاصر صراع بين أفكار تقدمية وأخرى تقليدية، ومن يريد دولة تقليدية ذات نظام عقائدي أو ديني ومن يريد دولة مدنية  يتساوى فيها أصحاب المعتقدات دون أن يؤثر أي منها على نظام الدولة. إن هذا الجديد في الواقع لم ينتج عبثا أو فجأة، وإنما نتيجة تجربة وصراع واقعي دام ثلاثين عاما داخل النظام الديني للدولة الأوربية ذهب ضحيتها الآلاف ولكنها أنتجت رواد العصر الحديث.

إن القديم يتشبث أكثر بالمجتمع المحافظ، كلما أعلن الجديد عن نفسه، فينذرهم بأن مخالفة القديم إنتهاك للتقاليد الموروثة. وشاء القديم أو لا فإن الجديد لا بد أن يعاود الظهور حتى يشتد شيئا فشيئا مع حركة التاريخ وتطوراته الواقعية المادية والفكرية ويبقى القديم شيئا في مخيلة التاريخ. وهؤلاء المحافظون على الشعر الجاهلي كانوا يجدون في مدرسة اللغويين والنحويين سلاحاً صارماً مخيفا يسلطونه على رؤوس أنصار الجديد. لأن أصحاب هذه المدرسة ظلوا طوال العصر العباسي الأول هم المرجع في نقد الأدب، وتبيان الغث منه والجيد.

ويقوم هذا النقد على ركنين فكريين راسخين:

أولهما: الإعتقاد بأفضلية الأدب الجاهلي، واخلاق الجاهلية، وكل عاداتها وسجاياها وتقاليدها.

وثانيها: أن شعراء الجاهلية لم يُخَلَّوا معناً شعريا إلا قالوه، فهو شامل ولا يحتاج إلى زيادة أو نقصان.


وهناك وجه آخر من الصراع قد يسميه البعض إزدواجية والبعض الآخر تقيّة, فهل كان إزدواجيه أم تقيه؟ وهو الصراع الذي يحدث بين الشاعر ونفسه، لا بين فريق من الشعراء و فريق آخر، فأبو نواس مثلا وأبو تمام من حاملين لواء الجديد يضطر الواحد منهما أن يجري على لواء القديم ويتغنى بمصطلحات القديم ولغة البادية أحيانا ليثبت وجوده. وحينا لترضى عنه الفئة الكبيرة من المجتمع.

ولو إبتعدنا عن الناحية الشعرية وجئنا للعلم والفكر في العصر العباسي فنرى مثل جابر بن حيان وابن طفيل ممن يهتدون بهدي العقل والتجربة والمنهج العلمي، يستسلمون فجأة للمعرفة الغيبية الصرفة والحدس النفسي. ذلك يعود للصراع ليس بين الإنسان ونفسه, بل بين الإنسان وبين علاقاته الإجتماعية وظروف بيئته, وكان يطغى على أهل العلم والإنتاج سيطرة الدولة العباسية ونظامها الفكري والعقائدي الذي يفرض القداسة على التفكير والقراءة الإنسانية, فكان المفكر الحر غالبا ما يتعرض لإرهاب فريق من رجال الدولة النافذين الذين كانوا في الغالب ذوو رأي مذهبي متصلب يحاربون الآراء العلمية والفكرية والمذهبية الأخرى, ويرينا التاريخ العباسي كيف أحرق أبو جعفر المنصور أعظاء إبن المقفع في قدر بسبب كتابه الذي هجاه فيه على لسان الطير والحيوان "كليلة ودمنة" وهي تجربة تقدمية في الهجاء لم يعرفها العرب قبلا، وحرقت كتب إبن رشد, وحوربَ أبو العلاء المعري الذي لم يكتفي منه التاريخ الإسلامي بل لاحقته الجماعات المتطرفة في معرة النعمان "أحداث سوريا الأخيرة" فقطعت رأس تمثاله، وبعدها لاحقت أبو تمام في العراق وحطمته إلى جانب التراث الأكدي .. وهذه هي الرجعية في أقصى درجاتها تصلبا, فماذا ابقى هذا التصلب لنا غير عداءه للتعدد في إرثنا العربي الإسلامي وللثقافة الإنسانية بشكل عام.




المصدر المتبع في كتابه المقالة:

·         تراثنا كيف نعرفه – حسين مروّة. / الطبعة الأولى 1985 / مؤسسة الأبحاث العربية للنشر – لبنان / الصفحة: 219 - 231

الثلاثاء، 13 مايو 2014

تُراثنا .. كَيفَ نَعرِفه؟ - حُسَينْ مُرُوَّةْ

تراثنا كيف نعرفه - حسين مروة

تسود في التأريخ العربي الإسلامي القراءة المثالية الجزئية - العقائدية -، ففي التدريس الحكومي لم تتح مادة التربية والتعليم لنا من المعرفة بهذا التاريخ الواسع سواء معرفيا أو إجتماعيا الا ما يتيحه صحيحي البخاري ومسلم، كونهما الممثلين لطائفة النظام الرسمي.

من ناحية أخرى لا تتيح المدرسة الجعفرية في نظامها المثالي معرفة التراث وتفسير حركاته المعرفية والإجتماعية إلا بالرجوع لمعرفة العلاقة بينها وبين أئمة الطائفة، فيكون المرجع في معرفة الكل هو الجزء من التاريخ وعلاقته بالحركات الأخرى. فيصرح على سبيل المثال الشيخ الفياض: "لقد سمعنا بأن العرفان يدرس في هذه الحوزة على ضوء عقيدة ابن عربي، وهذا يعد خطر على الحوزة وطلابها، فإن كل من قرأ هذا الكتاب يعتبر كافر زنديق" من هنا يكون الدافع في حماية النظام العقائدي، حمايته من كل ما هو خارج إطاره المعرفي وإن كان في التراث نفسه. وقد ظهرت بعض الجهود الفردية في قراءة التراث والتوسع في قراءة تاريخ علم الكلام الإسلامي وفلسفته، إلى شذوذ بعض الأفراد عن القاعدة، فحكم عليه بالكفر من بعض رموز الطائفة، او بإخراجه من الملة كصدر الدين الشيرازي.


في منتصف القرن العشرين بزغ فجر جديد في التأريخ, حمل معه هموم النقله من التعامل مع التراث بشكل جزئي إلى وجه تعامل كلّي أو شمولي, وهو المفكر، بل كما يعطيه البعض الفيلسوف اللبناني حسين مروة. درس حسين مروّة في الحوزة العلمية في النجف وجمعت بينه وبين المرجع محمد حسين فضل الله علاقة صداقة وطيدة، وبقيت هذه العلاقة الوطيدة بين الأثنين حتى بعد منتصف القرن العشرين عندما خلع حسين مروة لباس الدين ولبس لباس الأدب والفلسفة, فسار على خطاه مؤرخون عديدون, منهم (الطيب تيزيني) و (هادي العلوي) الذي يقول في بداية أحد كتبه: "وما أنا في أحسن حالاتي الا ومضة من ومضاته".

:: تراثنا.. كيف نعرفه ::   لماذا هذا الإسم؟..

يقول الكتاب وقبل أن تبدأ المقدمة: "التراث هو التراث نفسه, لا يتكرر ولا يتعدَّد.. ولكن معرفته هي المتعددة بقدر ما تتعدد البُنى الفكرية التي بها يُقرأ التراث. ليس من باحث يبحث عن معرفة للتراث, إلا وهو يحاول أن ينتج معرفة عن التراث (تَتَكَّيَفْ) مع بنائه الفكري, أو مع منطلقاته الآيدلوجية.. فصول هذا الكتاب هي أيضاً تبحث عن معرفة لتراثنا الفكري.. لكن (كيف) هي هذه المعرفة؟

-          هي المعرفة التي تجيئنا من (الكيفية) الواقعية التاريخية التي كوَّنَتْ عناصر التراث في بيئتها الإجتماعية وفقا لفعل القوانين التي تنظَّم حركة صيرورتها, بعملية ليست خارج التاريخ - غيبية -, بل هي جوهر حركة التاريخ - أي من واقع الصراع المحتدم -.

وقبل أن نبدأ بسم الله في قراءة هذا الطرح العميق الذي قررت أن أقرأه في أيام إجازتي, نقول بأن حسين مروة هو ليس الا واحد من التقدميين الذين تمنو للبشرية حياة أفضل فإنتهى بهم المطاف الى مشانق الإغتيال الفكري, وله مجلد واسع من أربع أجزاء إستغرق ما يقارب ٤ عقود - الخمسينات إلى الثمانينات - يعرض فيه التاريخ من الجاهلية وصدر الإسلام، الى ما بعد العصر العباسي تحت عنوان "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" والذي يرجح أنه أغتيل بسبب طرحه ذاك. والذي نتمنى أن نطلع عليه في المستقبل.