الجمعة، 5 فبراير 2016

كلمات في الوحدة والعزلة والصمت



لماذا يخشى الإنسان حتى أن يكون صادقاً مع نفسه في هذا الوقت؟
يضحكُ في العلن بينما يخفي في خلوته الكثير من الألم...
هل يخاف على نفسه من الوحدة؟
أم أن الناس عجزوا أن يسمعوا صوت قلوبهم
لخوفهم ان يكونوا وحيدين او يوصموا بالجنون؟!
ولِمَ أخافُ من جنوني في هذا الوقت وجنوني عالمٌ أكمل؟!
٩ مارس ٢٠١٥ 


المساجدُ مكتضةٌ بالعابدين
وانا هنا عاشقٌ وحدي
تائهٌ في حُسنِكَ الكوني
أراك حقَّ العاشقين ومرجى حيرة الحائرينْ
يرونكَ لحاجةٍ أو مخافة ولا أراكَ إلا قلبيَ المستوطن في حُسنِ صفاتي
وأنت عن قبيحها متعاليْ
ما رأتكَ الأعيُن وما أبصرتك السرائر
فصلِّ على الحائرين الواقفين عند باب معرفتك
المؤمنين بطرائق العشق
أو السالكين إلى مراتبه
ليلة القدر،١٠ يوليو ٢٠١٣  


"طائرالعشق"
كان طائرُ العشقِ يغنّي وحيداً، وحين دخل الناس في بحر عشقه أفواجاً، عادَ ليغني وحده. طار طائر العشق يوماً وحلَّ على غصن شجرتي، فقال: يا من تغني في هذا المأوى إليَّ إليَّ، ومن قال لك لا تهجرني إلا بسُلطان فهو سُلطان. ولكل إمرءٍ سُلطانه، وسُلطان هذا العشق أنه غناء بين إثنين:
هجرتُ الديار كسيرَ الجناح     طليق الفؤاد أُعاني هواكْ
فلا العشقُ ضيفٌ بدار الضباع     ولا القلبُ يحوي عقلاً حواك
وحيدٌ ومالــيَ مـن صاحـبٍ     حزينٌ ويُطرِبُني أن أراك
قريــبٌ وأنــتَ البــعيد "هـنا"     بعيدٌ وأنتَ القريب "هناك"
فقـــل للــذي يُغنّــي: "أنــــــــــا"     ترى العشق في ذا الفؤاد وذاك
فسافر إلى حيثُ تلقى الهوى     لأن الهوى سيدٌ في حِماكْ
بقلـبِ البـصير وعـيــــــن الضــرير     أرى في الحشا ما تجلّى "هناك"
لأن الحشا حين ألقى الثياب     يشاهدُ حُسْنَ قلاعَ سناكْ
٣١ نوفمبر ٢٠١٤



"حديثُ الصمت"

يبدو أنك وحدك وسط العتمة
وفي وسط العتمةِ نورْ
غربةُ روحٍ خلف السورِ تدورْ
ووسط السور تُحركُ اطرافَ شفاهٍ صامتةٍ
لا عجميةَ لا عربيةْ
ضاع الفكر بقيد الحرفِ، والروحُ تعانقُ طرفَ الخيطِ المستور
تتجلّى... ترفعُ أغشيةَ القيدِ
ووجهُكَ صُبحٌ يتمايلْ
الحق أقول: ليس  الحقُّ يُقال..!
بل داخل أوعية العقل، أوعية الصمت
والقلبُ الإنسيُ ذبول
يتمنى الصرخة. لكن الحق أعمقُ من كلِّ الصرخات
فكيف لمن خنق الحق أن يسمعني؟!
ربط الحبل على عنقي وقال: تكلم!
إنّي اختنق
فلسانيَ ما عاد يُعبِّرُ بالحرفِ، عادَ جنينياً
وأنا حول حروف الكون أدور
٢٥ مارس ٢٠١٥ 


"حديث الصمت II"
لا تستهزأ بالصمت أبداً
إسألني عن دهاليزه وأُجيب
أنه ليس الجهل دائماً، إنه الإنسحاب إلى الداخل
بحيث تبلغ ثورية الفرد مداها الأوسع
فلا يجد انيساً يصارحه إلا نفسه
لا تُهِن الصمت أمام ضجة الأصوات المرتفعة
ولا تستخف بالمتلكئ في مقابل صاحب اللسان الفصيح
فالمتلكئ قد يتسع به المعنى بحيث لا تُحيط به اللغة، فهو ليس عاهة، ولا عيب دائماً
ولا تُبجِّل المتزمت المحرِّم لكل شيء امام الراقصين المحبين للحياة
فمن يدعي انه يعلم؟!
ربما لم يجد الراقصون إلا الرقص وسيلة مجانية يعبرون من خلالها سيل الهموم والآلام
٢٦ يوليو ٢٠١٥


كالأنبياءِ أُمارسُ إغترابي
كالحيارى في حضرةِ المجهول
كالموت وهو يُعريْ الروح
كالصمت حين يُفصح عن اكاذيب الحروف
كالألحان في حضرة اللغة
كالحقائق وهي تفند المقدس
كقوة الغيب في مواجهة السلاح
كالذي ليس كمثله شيء ولا شيء يعرفه
وحدي أسير، لا شريك لي، ولا حتى هو
٢٩ يوليو ٢٠١٥


"نار"
أبحث عن وجهك في الماء
حدقتُ طويلاً
حدّقتُ، صرختُ بكلِّ حبالي الصوتية: يا ماء...!
فرأيت القمر يطالعني 
كأن النار إنقلبت ماء
حدّقتُ طويلاً
مددت يديَّ أغرفُ شيءً
عُد يا ماء
إشتعلتْ في أطرافيَ نارٌ
كأني نونٌ - نونُ الكونْ -
والألفُ التيه
والنجم يدور
ووحيدٌ يشقى حرف الراءْ
٣١ يناير ٢٠١٦


كأنَكَ في هذا العالم وحدكْ
بل رغم الكثرة من حولك انت وحيدْ،
وتحب الوِحدة كالليل..!
من يعرف كنه الليل؟! وما يدور في فراغات الأشياء؟!
أنت العدمي، وفي العدم تتحد مع المطلق
لكنك لا ترغب أن تتحد في تلك الروح الأشياء
كالنجم تدور على نفسك وتنبذك الأفلاك
ما جدوى ذلك؟
ما جدوى كل الثورات
فاللعنة تحتضن التاريخ، وتُعيدُ الأصنام
نحن الموبوءون بصنم الفكرة، والأجسام
لستُ كحرف الجرِّ أجرُّ الأشياء إليَّ
لستُ نبياً، لا أمتلك حرف الشعر ولا حرفاً
ما جدوى ذلك؟!
ما أنتَ؟ أنا العدميُّ، وفي العَدَمِ تتجلى للنور الأشياءْ
كيف اتحدتْ كيف انفصلتْ عنه؟!
تاه الفكرُ وجنَّ الماء
كأن البغي واحة ماء والشرف الصحراء
يا من تسمع هذا الليل خذني
أنا لست من هذا العالم خذني
فقد اتحدتْ نارٌ في نفسيَ والماءْ!
٥ فبراير ٢٠١٦

الخميس، 21 يناير 2016

دروس من طفلة - يوميات

رجل يشاهد مباراة كرة القدم من فوق سور الحديقة

٢١ يناير ٢٠١٦، الخميس

اليوم تعلمت درساً جديداً من إبنة أخي البالغة من العمر ٣ سنوات عندما إصطحبتها إلى الحديقة المجاورة لمنزلنا، اليوم هي المرة الأولى التي تضحك فيها "فاطمة" معي من قلبها، لقد شعرت بذلك جيدا، خصوصا أنها لم تكن تتحدث معي نهائيا، هي كذلك تخجل منا لأننا عدنا في زمن لا يتواصل فيه الأحباب بصورة طبيعية.


إفتح قلبك للآخرين

كانت اول ضحكاتها معي حين بدأت أُلاعبها بينما كانت أشعة الشمس تتسلل من خيوط ستارة الحُجرة، أنا على أي حال أُلاعبها بهذه الصورة للمرة الأولى؛ وهنا علمتني طفلتنا أنك لا بد ان تفتح قلبك للآخرين كي يفتحوا هم قلوبهم إليك. كانت دائما ما ترفض الخروج مع أحدنا، أقصد بأحدنا هم أولائك الذين دون الأم والأب، ترفض الخروج حتى إلى الشارع المحاذي لباب بيتنا، ولكنني قررت أن أدعوها للخروج للحديقة المجاورة في هذا اليوم، فوافقت مسرعةً.


عش طفلا ولو لمرة واحدة في الإسبوع

أمسكتها من يديها وعبرنا الشارع، دخلنا الحديقة، لفتني منظر لعبة مسطحه وبها قضبان عمودية تشبه الرّحى، يركب فوقها اكثر من ٥ أطفال أحدهم قد يسقط من آلة اللعب على الأرض ضحكاً ودوراناً حيث يقوم أحدهم بأمساكها واللف والدوران بمن فيها، كأنني فوق تلك الآله قبل ٢٠ عام في حديقة المطار "مطار البحرين الدولي" التي هُدِمت الآن ولم يبقى منها إلا أثر، كأن والدي يقوم بتدوير آلة اللعب والركض، وانا هناك أسقط مغشيا علي من الدوران، يالها من أيام كان فيها والدي يركض حتى يتعرق، والدي الرياضي الذي كان يأكل أكثر من ٢٠ برتقاله بعد ان يعود من النادي الصحي، جاء بعد دقائق ليجلس على كرسي الحديقة فهو اليوم لا يستطيع تدوير الآلة بسبب الجلطة الدماغية التي خرج منها مؤخرا.
كنت أظن أن هناك أشياء كثيرة تغيرت بين طفولتنا وشبابنا، لكنني قررت للحظة أن اتأرجح، أضع رجلي على الأرض، وامسك بالسلاسل المتدلية من خشبة الأرجوحة، أرفع رأسي للأعلى وقدمي للأمام، ثم أعود بجذعي للخلف مع حركة الأرجوحة، أغمضت عيني لثوان، لثوان أنا هنا بين السماء والأرض وكأني في الخامسة من العمر.


أخرج طفلتك من وقتها المفضل تدريجياً

كانت مستمتعة بوقتها وهذا درس مستقبلي منها إلي: بعد ٤٥ دقيقة طلبت منها ان تلبس بلوزتها الصوفية ونعود للبيت، أنا في الواقع أردت الرجوع للبيت بعد ساعة تماماً وليس ٤٥ دقيقة، هي ضجت بالصراخ والضجر، وهذا متوقع، وكأنك قد أيقضت شخصاً من حلمٍ جميل فجأة لتقول له هيا استيقض للعمل، هو على الأرجح سيعاود النوم لـ١٠ دقائق أخرى، طلبت منها اللعب لـ١٠ دقائق أخرى، لكني بعد تلك الدقائق لم أطلب منها لبس حذائها للعودة للمنزل بل قلت لها إلبسي حذائك لأننا سنذهب لنتمشى حول الحديقة، كان من الواجب علي المشي حول الحديقة إذا كيما تفقد ثقتها بي، فللأطفال إحساس قوي أحياناً بالخديعة.


أعتقد أني قد إستمتعت في يومي هذا أكثر من "فاطمة" التي تصغرني بعشرين عام، والتي علمتني دروساً جيدة دون أن تعلم هي وأعتقد انني سأخصص يوما في الأسبوع لزيارة حديقتنا البسيطة هذه.








الاثنين، 7 ديسمبر 2015

المرجع محمد الشيرازي وآفاق التطور الفكري والسياسي

غلاف كتاب: المرجعية الشيعية وآفاق التطور - أحمد الكاتب


للفكر الإنساني تحولاته، كما للجسد الإنساني الحي تقلباته، وفي هذا الكتاب رحلة لتحولات فكر المرجع الديني الشيعي السيد محمد الشيرازي (١٩٢٨-٢٠٠١) والذي نبصر من خلاله كيف للواقع والأحداث السياسية والتجارب أثر في تغير فكر الإنسان ووجهات نظره التي قد تكون مؤيدة لفكرة ما أشد التأييد في سن معين وتنقضها أشد النقض في سن أخرى، أو نتيجة حدث ما. وبالتالي علمني هذا الكتاب أن لا قدسية للأشخاص والأسماء والأفكار التي يخرجون بها لأنها نتيجة من نواتج الحياة الإجتماعية النفسية التي يعيشونها.

حول المؤلف نذكر أن احمد الكاتب هو واحد من تلاميذ السيد محمد الشيرازي والذي لبس العمامة والزي الديني في سن الرابعة عشر على يده ورافق الشيرازي في منفاه إلى الكويت بعد إنقلاب ١٩٦٣م وبالتالي فإن أحمد الكاتب حين ينقد في هذا الكتاب الصغير الذي لا يتجاوز الـ ٢٠٠ صفحة لا ينقد شخص محمد الشيرازي بل ينقد نفسه وسيرة حياته التي عاشها وتطوراتها الفكرية والسياسية كما يقول.

من المواقف الإيجابية للشيرازي وقوفه ضد السياسة العربية القومية في الستينات ودفاعه عن حق الأكراد التي تعتبر من الأمم العراقية العريقة ورفضه اصدار فتوى لصالح النظام القومي حين طالبه عبدالسلام عارف إصدار فتوة لمحاربة الأكراد وثورتهم: "قائلا إن الأكراد مسلمون، والعرب مسلمون، فإذا انتم بنيتم حكومتكم على القومية العربية فهم تعلموا منكم ويريدون أن يبنوا حكومة لأنفسهم على القومية الكردية."/ص٨٦.
ورفض أيضا نظرية الحكم الوراثي الملكي قائلا أنه أسوء أقسام الحكم الإنقلابي الإنتخابي. ولكن الشيرازي بدل أن يتحدث عن البديل الجمهوري طرح نظام ولاية الفقيه؛ فإذا كانت القومية تمنع حق الكرد العراقيين وتجعل منهم طبقة أدنى، فإن الحكم القائم على ولاية الفقيه او حتى الشورى المقتصرة على الفقهاء الشيعة تمنع حق الديانات او المذاهب الأخرى التي تشترك معنا في الوطن من الوصول إلى الحكم أو حتى الإنتخاب الجمهوري..! وذلك يتعلق بالنظرية التي يؤمن بها الإنسان الشيعي بأن الفقهاء نواب الإمام المهدي الثاني عشر والذي توارث شرعيته من الأئمة الذين توارثوا شرعيتهم من الرسول المرسل من الله، فبالتالي فإن الدولة الإسلامية الحقة هي دولة يقودها الفقيه العادل المطبق لشرع الله وقانونه.

أما من المواقف السلبية للشيرازي هو دعوته في الحرب العراقية الإيرانية وفي مثل هذا الموقف الحرج لتخلي الجنود العراقيين عن السلاح وعدم مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مقابل الدفاع عن نظام بعثي ملحد وكافر... وتغلب في كثير من الأحيان الهموم الآيدلوجية عند الشيرازي على هموم الهوية الوطنية او العدل والمساواة فنرى أنه كان في بداية حياته الفكرية حسب ما ينقل تلميذه الكاتب معارضا شديدا للإنتخابات والديمقراطية كونها من نواتج الغرب والتراث اليوناني والبعيدة عن مفاهيم أهل البيت والإسلام الأصيل وعارض تفسير محمد باقر الصدر لأية الشورى وقانون الإصلاح الزراعي الذي أتى به الشيوعيون بعد إنقلاب تموز ١٩٥٨م، ومن بعدها اخذ يراجع افكاره في كل ذلك وأخذ يوظف الديمقراطية والمفاهيم الحديثة في فكره السياسي وفي خدمة الفكر السياسي الشيعي بشكل عام، وغيّر موقفه من قانون الإصلاح الزراعي.

شخصيا تعتبر هذه قرائتي الأولى في فكر الشيرزاي والمصدر الوحيد الذي اعرفه حول شخصيته ويمكن أن يعتبر سيرة ذاتية حيادية ذكرت ما على الشيرازي وما إليه خارج لغة التقديس، ولايزال الكاتب محافظا في نفس الوقت على إحترامه لأستاذه بالرغم من خروج الكاتب بفكر مختلف ومفاهيم مغايرة.

الأربعاء، 14 أكتوبر 2015

حول رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ

غلاف الكتاب
يذكرنا نجيب محفوظ في اولاد حارتنا بإبن المقفع في كليلة ودمنة وهي تجربة ادبية متقدمة استخدمت السرد الإيحائي في نقد الخليفة المنصور على لسان الطير والحيوان. وبالرغم من هذا الايحاء الغير مباشر في نقد الخليفة الا انه كان من السهل ان يعرف اي خليفة ما كان يقصد ابن المقفع من وراء إيحاءاته. وكانت نهايته المأساوية حيث قطعت اطرافه امامه واحرقت في قدر حتى مات عبدالله ابن المقفع امام القدر وهو ينزف دما.

هذا الايحاء السردي يُستخدم عندما يحاول الكاتب في ظروف قمعية نقد السلطة (سواء كانت سلطة سياسية او فكرية) وبالرغم من الاتهامات التي وُصف بها نجيب محفوظ من قِبَل رجال الدين أنذاك بسبب روايته، لا اجد أن الرجل غير مؤمن بالانبياء او انه يستهين بأفكارهم. بل على العكس هو حاول ان يقدم الاسباب الواقعية التي يتفاعل من خلالها عقل الفرد اي فرد كان يمتلك حسا انسانيا في ذلك الأوان من الوعي مقتحما السماء بقبضات عارية طامعا نحو تغيير واقع الظلم والقهر نحو واقع افضل مستعينا بقوى فوق طبيعية محايدة وبعيدة عن الصراع البشري. بهذا فإن لمحفوظ إيمانه الخاص في الانبياء وهذه وحدها لامعة من لوامعه الفكرية التي استطاع ان يوصلها بالايحاء، إذ نرى موسى في شخصية جبل الحاوي مهذِّب الثعابين. والمسيح في رفاعة الذي كان طبيبا شافيا للناس من الامراض الجسدية والروحية ميالا للفقراء ضد السلطات. كما ان لرفاعة نصيب من انقاذ حياة زانية حين تزوجها كتلك التي قال فيها يسوع عندما اراد الناس رجمها: من ليس له خطيئة فاليرمها بحجر. مرورا بالعشاء الاخير وخيانة يهوذا الاسخريوطي كتلك الخيانة التي كشفت فيها زوجة رفاعة أمره للفتوات.  وانتهاءً بتأسيس الديانة المسيحية بعد مقتل المسيح على يد الرسل الاربعة. حتى قيل ما قيل من القصص التي تفتق الخيال في شخص رفاعة، منها "ما تنوقل أن جثته ظلت ملقاه في الخلاء حتى حملها الجبلاوي ليواريها التراب في حديقته الغناء".
.
في النهاية، ربما يكون هذا مجرد تشابه في الشخصيات كما يؤكد نجيب محفوظ دائما حين يُطرح التساؤل حول روايته: "إن هذه الحكايات المسرودة هي هي حكاية احدى الحارات المصرية القديمة، لا كما يُراد لها من تأويل". وربما لا يكون نجيب محفوظ بريئا اذ هناك ما يكفي من مقاربات يستطيع حتى عقل الطفل الصغير ان يكتشفها. واذا ما قاربنا بين رواية نجيب محفوظ والثقافة العربية الاسلامية فإن نجيب لا يطعن في الانبياء بقدر ما يجعل منهم الأبناء الاكثر عبقريةً وحسا في وسطهم الاجتماعي. وهذا لا يُخفي ان له وجهة نظر مختلفة في حقيقة الإلهام السماوي (هذا اذا ما سعى عقل القارئ للمقاربة والتأويل).

السبت، 26 سبتمبر 2015

غوته، شاعراً وحكيماً...!

جوهان فون غوته
Johann Wolfgang Von Goethe 


حينما زار غوته في أيامه الأخيرة الكهف الذي يلعب فيه أيام صباه إستذكر صوت الرفاق الذين رحلوا عن عالمه وضحكاتهم وتراقصهم بين جدران الكهف ولعبهم فأنشد قائلا:


في ذُرى الأطوادِ صمتٌ شاملٌ     وســكونٌ قد غشـى الكونَ الفسيحْ
خيَّـــم الصــمتُ علــى الغـــابِ     فلا صوت طيرٍ فيه أو نسمة ريحْ
كُـــلُّ شــيءٍ مُســتريحٌ هـــادئٌ     وقــريباً أنــتَ أيضــاً تستـــــريحْ


وكانت هذه لمحة وداع تجوهرت فيها روحه معلنةً إنفصالها، لكن أمثال غوته من الشعراء الحكماء أو الحكماء الشعراء الذين كانوا يقاومون المرض الجماعي والمتفشي في عموم القارة الأوربية لابد ان يُعاد ذكرهم في سُويرة الحب المفقودة -سويرة: تصغير سورة- ويعيد إتحادات الروح الإنسانوية بين الشرق والغرب. وهنا فكرت أن أنقل لكم ترجمة غوته من المدارات الصوفية حيث تتحد في كأس التصوف خمرة غوته فتتلاشى حدود العالم في قلب الشاعر حين يفيض بالحكمة.


غوته:

(هذه ترجمة منقولة حرفياً من كتاب مدارات صوفية)


جوهان فون. ألماني عاش بين ١٧٤٩ و ١٨٣٢. أصلهُ شاعر. إلا أنه تجاوز الشعر إلى الحكمة فهو شاعر حكيم أو حكيم شاعر تمتع بحساسية شعرية عالية كأي شاعر - المتنبي، لي باي، شيلي - مع شخصية حكيم كأي حكيم: لاوتسه، أبيقور، ابن عربي... منحته الحساسية الشعرية غريزة حب طغت عليه كما طغت على إبن الفارض فعاش حياته بين إمرأتين: زوجته وحبيبته. إرتبط مع الزوجة بعلاقة حب زوجي لا يكدرها شيء. ومع الحبيبة بعلاقة حب صوفي مروحن، لكن لوعة المحب كانت فيه كلوعة ابن الفارض، فحديثه عن شارلوت (ميريانا) في آلام فِرْتر هو حديث ابن الفارض في الجيمية والفائية واليائية. لكن حبه كان كونياً. وقد فاض منه على غير الحبيبة فأحب الناس كلهم وإجتاز حبه حدود ألمانيا إلى أوربا ثم إجتازها إلى الشرق البغيض وإلى الإسلام الأبغض والعرب الأكثر إثارة للمقت والعداء. فأحب العرب في الشعر الجاهلي وغيره وأحب الإسلام إلى حبٍّ كان من العمق والصدق بحيث لم يتحمله أبناء القارة فكتموه وسعوا إلى بتره عن تراثه فلم يتهيأ كشفهُ إلا مُقسَّطا وعلى تخوّف. وعجائب الإنسان لا تفنى. وأي عجبٍ أعجبُ من أن يظهر مثل هذا المثقف الكوني في مجتمع مغسول بالعرقية والعصبية المتوحشة؟ في بلد أعطى أعظم فلاسفة العصر الحديث لكنهم لم يخرجوا، إلا في واحد كان دخيلاً عليهم من عقدة التعصب والعرقية فأنتجوا فلسفة صفاء للأوربي وجفاء قاتل لبقية البشر؟


وفي غوته الحكيم نرى الحقيقة الكونية وقد تروحنت فصارت علاقة جذب بين الأشياء وآصرة حب بين الناس. وقد ثقل على قلبه علماء الفيزياء وأنكر الطبيعيات لمّا رآها تُحيل العالم إلى أرقام بينما هو يريد للعالم أن يمتلئ بالأرواح، فوضع نظرية في الطبيعة والوجود تقوم على حسابات الجمال كعلاقة كبرى بين الموجودات، في محاولة شعرية لروحنة المادة. وقد درسها الفيزياويون واستظرفوها ونشرها كبير فيزياويي ألمانيا في أوائل هذا القرن - يقصد رودولف كارناب - مع كتابه: فلسفة الفيزياء. ولم تكن لتنافس نظريات الفيزياويين وإنما تعالج أحاديتها المادية. الفيزياء الصرفة تتعامل مع المادة الصرفة. وبدون ذلك لا يسعها ان تفعل شيئاً مع حقائق الطبيعة التي هي حقائق مادية مئة بالمئة. وعلى هذه الطريقة الفيزياوية في التعامل مع المادة قام العلم بشموخه المتصاعد وقامت الصناعة بجبروتها الذي نقل الإنسان من حال إلى حال لو درى الأول بالثاني لمات من الحسد. لكن العلم البحت والمادة الصرفة إذا أوصلا الإنسان إلى ما وصل أبقياه سجيناً في قفص العلاقات المادية. والعلاقات المادية يتسفّل بها الإنسان. وبقدر ما تفشل العلاقات الروحية في حكم الطبيعة تفشل العلاقات المادية في حكم الإنسان. إن عقول العلماء الرقمية يجب ألا تتحكم في الناس. فهنا يحتاج الحكم إلى قلوب بشرية. وقد ساهم الإقتصاديون في إنماء ثروة المجتمع بهذه العقول الرقمية إلا أنهم لم يفعلوا شيئا للناس وبقي حالهم كما كان في أي عصر سابق. إن جوع الإنسان في عصر الطيارة والحاسوب والفضاء هو نفسه في عصر الحمير والإبل والبغال. بل إن أهل ذلك العصر كثيراً ما وجدوا حلولاً للجوع والفقر لم يجدها أبناء هذا العصر. إن كمية الظلم التي رافقت الفيزياء والإقتصاد العلميين تزيد على نظيرتها في أي عصر سابق. من هنا تأتي ثورة غوته ضد الفيزياء. وغوته من الأبدال الذين تحتاج الأرض لمثلهم لأنها بدونهم تميل فيبقى الناس فوقها كالسكارى. وليست نظرية غوته في الطبيعة بديلا عن الفيزياء بل هي العلاج الذي ينشده الحكماء لزيوغ المادة الصرفة. يريد غوته أن يعطي العلاقات الروحية، علاقة الحب والجمال والخير مكاناً في الطبيعة. ولا شك أنه يدرك أن الطبيعة لا تفهم هذه العلاقات وإنما هي شأن الإنسان، فنظريته الفيزياوية هذه نظرية إجتماعية تسعى لأنسنة العلوم حتى تكون في خدمة الناس عقاباً لهم على إنسانيتهم الخارجة من قيد الإنسانية الصرفة.


غوته من ضنائن الله. وضنائن الله ينطوون قلوب بشرية تُعَدِّل جفوة وقساوة العقول الرقمية من غير أن توقفها عن فعلها. لنترك الفيزياوي في مختبره يفسر ويحلل ويقدِّم للصانع ما يطور به حياة الناس المادية. وتبقى الكلمة بعدها لضنائن الله أصدقاء الإنسان. هكذا أراد غوته. وهكذا تكلم. وذلك هو السر في عشق خَلَفِهِ الألماني كارل ماركس له مع أن ماركس فيلسوف طبقي وغوته حكيم إنساني. وتبعاً للمادية الصرفة يكون غوته برجوازي صغير ومثالي متواطيء. لكن ماركس لم يكن مادياً صرفا ولا مرة.


وقد تحدثت تواريخ غوته عن علاقة بالفقراء ذات منحى تاوي-صوفي إذ يحكي كلينجر ان غوته محبوب عند الجميع وأنه بركة على بلدته -فايمار- وقال ميرك إن غوته هو الكل في الكل وهو الذي يوجه كل شيء وجميع الناس راضون عنه لأنه منفعة للأكثرية ولا يضر بأحد. وقال ليزفنتس إنه يساعد الكثير من العوائل الفقيرة في فايمار فهو إنسان حي الضمير. وقال فايت: يرى الناس في غوته إنسانا طيبا حسن الطوية وهو يحظى بإحترام الجميع ومحبتهم. وقال ن. فوس: بالأمس قالت لي إمرأة إن غوته بركة على فايمار فهو الذي يحرك كل شيء وهو الذي يُحسن لكل المحتاجين. وهذا مسلك صوفي حسب تحديد عبدالقادر الجيلي: إيجاد الراحة للخلق. ولو أن غوته خالف المبدأ الصوفي في مقاطعة الدولة إذ كان مرعياً من حاكم فايمار. ولا شك انه استفاد من هذه العلاقة لمساعدة أهل البلد لا لمصلحة نفسه. والصوفية يختلفون في جواز إقامة علاقة مع السلطة لخدمة الناس وأكثرهم لا يوافقون عليها.


الأربعاء، 23 سبتمبر 2015

الشطح الصوفي والكتابة السوريالية اللاإرادية

لوحة بعنوان (أطلس التجول) للفنان السوريالي فلاديمير كوش
(Vladimir Kush - atlas of wander (Surrealisme art  


يُعرّف أبو نصر السراج الشطح بأنه (عبارةٌ مستغرَبة في وصف وجدٍ فاض بقوته، وهاج بشدة غليانه وغلبته) ويضيف أن الشطحة (ظاهرها مستشنع، وباطنها صحيح مستقيم) كشطح البسطامي حين قال سبحاني سبحاني ما اعظم شاني.. والحلاج حين قال: مافي الجبّة إلا الله. ولذلك سمي الصوفيه بأهل الباطن وعلماء الفقه بعلماء الظاهر. أي انهم أخذوا أهل الباطن بظاهر قولهم وساروا على السلف، بينما الصوفي يعيش التجربة الحية التي تفيض من باطنه الإتحادي مع روح الكون السارية في الوجود، فقالوا ردا على علماء الظاهر: (أخذتم علمكم ميتا عن ميت، وأخذنا علمنا من الحي الذي لا يموت). وفي الواقع ان هذا الحي الذي لا يموت لم يكن من خارج الصوفي وإنما هو الوِرد النابض في ذات فؤاد الصوفي.


في كتابه الصوفية والسوريالية حاول أدونيس أن يقارب بين الشطح الصوفي وبين دعوة السورياليين لتحرير الرغبات اللاشعورية من سجن الواقع والتمسك بالخيال والفن الفوق واقعي وسرد الأحلام... إلا أن الكتابة الآلية اللاإرادية والتي لا تخضع لسلطة العقل هي اسهل طريقة بالنسبة للسوريالية في إكتشاف الإنسان للحقائق وأسرار ذاته. حيث يقول بريتون في البيان السوريالي الأول عام 1924: (الكتابة الآلية وسيلة متميزة لإنتاج نص شعري بفعل "اللاإرادية النفسية المحضة". والواقع أن هذه اللاإرادية طريقة تتفوق على طريقة سرد الأحلام فهي تتيح إنتاج القول الذي يتشكل في لا شعورنا كل ثانية ولا ندركه (...) فاللاإرادية وظيفة للسرعة ولحرية الفكر في آن. وهي تقتضي أن نكتب دون خضوع لأية قاعدة إخلاقية أو جمالية أنها تتيح أن نستعيد طاقات الخيال الضائعة وان نفهم بشكل أفضل كيف تتهيأ آليات الفكر).


في الحال بدأت أستذكر نصا شعريا كتبته بتاريخ 22 مارس 2014 تحت عنوان "صحوة السكران" وهو ليس شطحا لأن الشطح أكثر عمقا ولمحة عابرة في الوجد... هو من النصوص التي لا أمل من إعادة قراءتها، ربما لأني أكتشف فيها حالة من حالات كتاباتي المفقودة، كتاباتي اللاإرادية الغير خاضعة لقيود العقل. وإنما هي تعكس مرآة ذاتي. وأطلقت عليها هذا العنوان لأني كنت في اشد حالاتي صحوا واكثرها غيابا... هذا هو النص بعد أن حذفت منه زوائد أظنها تقطعات إرادية شوهت المعنى، ولأني كنت لا أنوي نشرها فهي بالتالي سابحة فضاءً من اللاإرادية والحرية من الذات للذات، وكل أمنيتي ان يتذوقها القارئ كما تذوقتها أنا:


ها هُنا أنا الآنَ
نِصفُ القَلبِ مُمتزِجٌ بِنِصفِ الليلْ
فَهذا البَحْرُ مُنسدِل عَنْ الكَونِ
وَهذا النَجمُ مَكشوفُ
وهذا القلب عُطشاناً بِوِحدَتهِ لِسَكرَتِهِ
وَيَبْدو العِشْقُ للسُكرانِ مَختومُ
"أَلا فالتُكسَر الجُدرانْ"
بَحارُ الأرضِ قَدْ ماجَتْ
وَشَمْسُ القلبِ سكرانه
أَهَلْ لِلهِ أَمْ إبليسْ قَدْ سَجَدَتْ
أَبو التَوحيِدِ شَيطانُ
فَلَمْ يَسْجُدْ سِوى لِلحقِ سُبحانَه
فبِالحِيرَةْ نَرَى الأَشياءْ
المَفْصُولُ مُتَصِلٌ والمَوصُولُ مُنفَصِلُ
إنَّ القَلبَ ماءٌ مازَجتهُ النّارْ
مُحْتَرِقاً بِنارِ الفِكرْ
لَيْسَ لَهُ دِيْارٌ يَستَقِرُ بِها
ولِلإيمانِ أَلْوانٌ رَمادِيةْ
قالَتْ حِكمةُ الأَزْمانْ:
"أَتَحْسَبُ أَنَّكَ جُرمٌ صَغيْرْ" وَفيكَ وَفيكَ وَفيكَ الإلهْ
أَنتَ المُطلقُ الأَوحَدْ
وَرُوحُ الكَونِ ساريةٌ في بَدَنِكْ
بِقَلبِكَ تَسكُنُ الأَرواحْ
فَهَلْ تَقنَعْ بِالنِسبي؟ 
فأَنْا هُوَ وَهُوَ أَنْا وَأَنْا أَنْا وَهُوَ هُوَ
عَرَفْتُ الآنَ مَعنايَ ومَعناهُ
بَعِيدٌ عَنكَ قَدْ ظَنّوا
قَريبٌ مِنكَ لَو عَرِفوا
كَساقِ الوَردِ مُنقَطِعٌ عَنْ الأَغيارْ
مُتَّصِلٌ بِحَبْلِكَ أَنتْ
فَلَوْ عَرَفوكَ ما لَبِسوا عِمامَتَهُم, وَما سَرَقوكْ,
وَ ما قالوا بِأنَّكَ مُلكَهُمْ يَوماً, وَما حَجَبُوكَ عَنْ خَلقِكْ.
فَصَحويْ الآنَ مُلتَبِسٌ مَعَ السُكرِ
أُجيدُ النُطقَ لكِنّي مُنصَرفٌ عَنْ النُطقِ
أُحِبُّ السُّكْر لأنَّ الصّحوَ فيْ سُكْريْ
وَلَيسَ السُكْر إلا فُرقَةَ الجَسّدِ
فَخُذْ جَسَديْ
فَلَيْسَ القَلبْ سِوى جِسرٌ
بُطَينٌ أَيسَرٌ لِلأَرضْ
بُطَينٌ أَيمَنٌ لِلنَبضْ 
فَدَعْ سُكْرِيْ وحَلِلْ جِسمِيْ الإنْسيْ
خُذْ روحيْ وَدَعْ قَلبيْ يُحَلِقُ فِيكْ
فَسِرْ نَحويْ أَسِر نَحوَكْ
لا إيمانْ يَقنَعُنيْ
فَبِالحِيرَةْ نَرى الأَشيْاءْ
كُلُّ الكَونِ مُتَصِلٌ وَكُلُّ الكَونِ مُنفَصِلٌ

"أَنتَ الّذيْ بِنِسبَةِ إيمانِنْا تُرى وَبِما حَمَلنا لَكَ فيْ قُلُوبِنْا تَتَجَلّى"

فَكُنْ حَجَرَاً تَكُنْ حَجَرَاً
وَكُنْ شَمْساً وَكُنْ رُوحاً تَكُنْ طَيراً
يُحَلِّقُ في سَماءَ الوَجدْ
وَكُنْ لاشَيءَ كُنْ عَدماً تّكُنْ عَدَماً
يُجَلجِلُ عَطفَ ناقُوسِ القِلوبِ هَواكْ

قالَ رِياضُ النُعماني: "إلَهيْ أَنقذنيْ
لا أَحْتَملَ الدُلَّ
وَأَنتَ تُطيلُ دَلالَكَ فِيّ"

يا سِربَ حَمامْ
يا غَيمَةً بَيضاءْ
يا نَجماً
ويا شَجَرَاً

وَإنّ كُنتُّ بَلا كأسٍ
فهذا السُكْرُ في صَحويْ
وهذا الصَحْو في سُكريْ
"ماءٌ مازجتهُ النّارْ"




الأحد، 28 يونيو 2015

الحركة والجوهر عند الفلاسفة القدماء





"الحركة هي الخروج من القوة إلى الفعل على سبيل التدريج/ ابن رشد والكندي"








المدرسة الأيونية:


واجهت الانسان حين حاول أن يفسر العالم بطريقة علمية مسألتين أساسيتين: الحركة والجوهر. أي كيفية النشأة ومادة الوجود الأساسية.حيث كان طاليس أول فلاسفة الإغريق المولود عام ٦٢٥ ق.م الذي كان يرى إستنادا إلى فكرة سومرية قديمة أن العالم يرجع إلى مادة وحيدة هي الماء. فالماء هو أصل الأشياء كلها، أما القوة التي تُشَكّل الأشياء وتحركها فهي الآلهة. ولكن طاليس بدلاً من أن يضع الآلهة في السماء وضعها في داخل الأشياء. حيث يقول: كل شيء مملوء بالآلهة. وهذه هي المدرسة الآيونية التي تقول بأن الوجود متحرك دائما وحركته هذه منه وفيه.


من بعد طاليس جاء تلميذه انكسماندريس وقال بوجود العماء (الأبيرون) وهو المطلق الذي تنشأ منه الأشياء وتعود إليه وفق مبدأ (الإنفصال والإنضمام) ففي الإنفصال تكون الحياة وفي الإنضمام يكون الموت أو الرجوع إلى العدم في صيرورة أبدية.


التلميذ الثالث لهذه المدرسة هو أنكسيمانس الذي فسر نشأة الأرض وفق مبدأ (التخلخل والتكاثف) حيث اختلف مع استاذه وكان يرى أن الهواء هو مادة الوجود الأساسية وأن الأرض تكونت نتيجة تخلخله وتكاثفه وينشأ كل ما هو موجود وفق هذا المبدأ: فالنار مثلا تنشأ عن التخلخل أما التكاثف فيؤدي إلى السحاب ثم إلى الماء وفي مرحلة تالية من التصلب تكونت الأرض والصخور.

 


المدرسة الإيلية:


من بعد انكسيمانس جاء برمنديس المولود عام ٥١٥ ق.م وشن مع تلميذه زينون هجوما على المدرسة الأيونية، حيث أبطل فكرة الزمن مؤكدا أن الوجود في حاضر لا يزول، فليس له ماضٍ ولا مستقبل، وليس محدَثاً ولا فانياً وهو في وحدة مع ذاته ليس له اجزاء. وقد اراد زينون ان يدافع عن مذهب استاذه ضد كل من يقول بالكثرة والتعدد والحركة التي هي في منطقة تفضي الى التناقض فاستشهد بأربع حجج. إلا أنه بالرغم من ادراكه الطبيعة المتناقضة للحركة عجز عن استشراف وحدة مراحلها المتناقضة.


وذهبت جهود برمنديس وزينون، حيث انها لم توقف من تطور الفكرة القائلة بالحركة.  فكان هيراقليطس في نفس الحقبة يعلن أن الأشياء في سيلان دائم وأن التنازع اساس الوجود، حيث يرى أن هناك تبادل بين الأشياء والنار يتمثل في تحول كل منها إلى الآخر، فالنار تتحول إلى ماء ثم إلى تراب والتراب يذوب بفعلها فيغدو ماءً والماء يتبخر فيرجع ناراً وهكذا بالإشتعال والإنطفاء والاحتراق والتجمد تكون الصيرورة وهي علة استمرار الوجود ولو كفت الأشياء عن الصراع لإنتهت إلى العدم. وكان هيراقلطيس اول من قال ان الانسان اصله من تراب وباقي الأشياء تكونت بفعل النار وتفاعلاتها.


بعد هيراقلطيس استحدث انبادوقليس نظرية الجذور او العناصر الأربعة، وهي: الماء، والهواء ، والنار، والتراب. وهي ما عُرفت بالإسطقسات وأضاف عليها الصينيون عنصر خامس هو الخشب. والإسطقس هو عملية إلتقاء هذه العناصر وتداخلها ومن خلال ذلك يتألف الشيء كما أنه يتلاشى بتفرقها.