الجمعة، 26 أغسطس 2016

التصوف: نقيض التكفير منذ بواكير الإسلام


ربما أمكن لنا من خلال معرفة التصوف نقض قاعدة الكاتب الإماراتي "ياسر حارب": (الأديان أعظم من معتنقيها) لأن هنالك أفراد قد يعتنقون فكراً ما؛ فيروحنونه ويؤنسنون علاقته مع الوجود، بينما يعتنق أفراد آخرون الفكر ذاته فيُسيئون له ويجعلونه أكثر ظلامية. ويبقى الفِكر/الدين ونصهُ وسطاً يحمل أوجه، وهو الحالة النفس-إجتماعية للظروف التاريخية للفئة المتحدثة بإسمه، وكما يقول شكسبير: "في وسع الشيطان أن يستعين بالكتاب المقدس لتنفيذ مآربه"، وحسب مقولة شكسبير فإن المقدس لا يوجد في النص بقدر وجوده في الذات الإنسانية القادرة على تأويل النص تأويلاً قيمياً إنسانياً رفيعاً، في مواجهة تدنيس النص/الفكر وقدرة الذات التكفيرية الآخرى على تأويله تأويلاً ضيقاً ذاتياً طائفياً تكفيرياً.

كان أول من جمع بين الماركسية والتصوف هو المفكر العراقي الراحل هادي العلوي، حيث كان مهتماً بالحضارة الصينية أيضاً، فأضاف لكتابه "مدارات صوفية" حكمة التاو، ليقدم لنا فكرة جديدة تجمع بين ثلاثة محاور: الماركسية-التصوف الإسلامي-التاو. وبالرغم من التنافر المعرفي بين مادية ماركس وروحانية الإشراق الصوفي، يبدو لنا أن مشروع الجمع بين المحاور الثلاثة عند العلوي كان يعول على الموقف الوجداني المشترك في معاداة أهل الدولة والأغنياء من أهل المال وأصدقائهم الذين يعادون ضعاف الخلق، فالموقف الوجداني هنا يعني حب الخلق وتحريرهم من الحدود الضيقة التي تسعى لتمييز أفراد النوع الإنساني عن الآخرين، وهنا أيضا يكمن عداء أهل التصوف للحقائق المطلقة، وإستبدالها بالمجهول المطلق القابل لكل الأشكال والمعتقدات واللغات والأعراق.


المواقف الإجتماعية: "فتشت الأعمال كلها، فما وجدت أفضل من إطعام الطعام، وددت لو أن الدنيا بيدي لأطعمتها للجياع" - عبد القادر الجيلي


يُذكَر أنه عندما انتصرت الثورة البلشفية امتنع لينين عن اتخاذ الأدوية اللازمة لحالته الصحية في سبيل توفير طعام لازم للشعب الروسي، وهذا يذكرنا بقصة القطب الصوفي عبدالقادر الجيلي حيث "يُحكى أن أحد مريدي القطب الصوفي عبدالقادر الجيلي رأى شيخه يشتري دجاجة محمصة، وخبزاً ومقبلات، فهالهُ ما رأى: أيجوز من شيخنا أن يأكل من هذا ونحن لا ندري؟! فتبعه من حيث لا يشعر، حتى انتهى إلى منزل فدق بابه فخرجت إمرأة عليها سيماء الفقر فدفع الدجاجة إليها وعاد من حيث أتى. فعلم المريد أن الشيخ لم يشتري الدجاجة لنفسه"
هناك مباحات في الشريعة الإسلامية، مثل: "إتخاذ الجواري والعبيد مع تقنين العلاقة بين العبد والسيد، أكل لحوم الحيوانات مع تهذيب طريقة الذبح، تعدد الزوجات مع شرط العدل" إلا أن مجمل أقطاب التصوف حرموا على أنفسهم تلك المباحات كإلتزامات شخصية، فلم يتخذو الجواري والعبيد بحكم أن لا سلطة لإنسان على إنسان آخر، فالذلة تحق لله وحده. لم يأكلوا اللحوم وكانوا أقدم من عارض قوانين الإعدام بصفة أن الحق في هدم النشأة لله وحده ولا يجوز للبشر، وحرموا على أنفسهم التسري (تعدد الزوجات) وكان منهم من لم يتزوج على طريقة يسوع (عيسى بن مريم)، أما من يتزوج فعليه أن يلتزم بزوجة واحدة.


نظرية المعرفة في سبيل حرية الإعتقاد: "لون الماء لون إنائه" - الجنيد البغدادي


هل يمكن أن نضع المحيط في كأس من الماء؟! بشكل آخر يمكننا أن نختصر نظرية المعرفة الصوفية في العبارة التالية: (المحدود لا يحتوي اللامحدود، والواحد يتضمن الكثرة). المحدود هنا هي الحقائق البشرية التي تدخل قلب المؤمن لمحدوديته، فالمعتقدات كلها محدودة ولما كان قلب الإنسان محدوداً انعقد على الإيمان بها. أما الحقيقة/الإله الحق: فهو المجهول أبداً لأنه فوق العقل البشري المحدود. وإقرار الإنسان بحقيقة جهله هو الطريق الأول لتحرير العقل من التعصب المذهبي والغرور العقائدي، فيتأله الإنسان هنا ويصبح الواحد الذي يتضمن الكثرة.

- سمع الشبلي قائلا يقول: "أُسائل عن سلمى، فهل من مخبرٍ/ يكون له علمٌ بها اين تنزلُ؟ فصاح وقال: لا والله ما في الدارين مخبرٌ عنه. وسلمى كناية عن الله/الحق. المتصوفة دائما ما يستخدمون الإستعارات والمجاز للتعبير عن آرائهم نتيجة ملاحقة أهل الدولة والدين لهم بصفتهم زنادقة إلا أنهم كانوا من الإيمان ما يجعلهم مستعدون للموت ولقاء المحبوب، ويُذكر أن الحلاج كان يضحك وهو يردد نشيده الآخير مصلوباً على خشبة المقتدر العباسي عام 309هـ.

- في عوارف المعارف سُئل الجنيد عن النهاية فقال: هي الرجوع إلى البداية. المعرفة هنا تختلط باللامعرفة والطريق إلى العلم هو اللاعلم. ففي بداية أمره كان في الجهل، ثم وصل إلى المعرفة، ثم رد إلى التحير والجهل. ولهذا قال "لون الماء لون إنائه" والماء هنا هو الذات الإلهية والإناء هو المعرفة الإلهية، والماء لا لون له إنما يتلون بلون الإناء، فإذا كان الإناء/المعرفة أسوداً أصبح الماء أسود، وإذا كان أبيضاً إتخذ الماء/الذات الإلهية لون البياض، أما إذا كان شفافاً فإنه يصبح والماء شيئا واحداً "يتألّه". يتضمن الكثرة ويستقبل كافة الألوان. هذه هي الحالة الصوفية، ولهذا كان على هذه المعرفة ان تقف بطبيعتها في وجه التكفير، الأحادية الفكرية، اللون الواحد للحقيقة، وتُطارد وتُلاحق من قِبل أصحاب الشكل الواحد الذي لا يستقبل الا ما هو داخل إنائه.

- يقول السهروردي المقتول: "رقّ الدنان ورقّت الخمرُ*فتشابها فتشاكل الأمرُ - فكأنها خمرٌ ولا قدحٌ*وكأنما قدحٌ ولا خمرُ"


بين العلمية والغيبية الصوفية


حسب قول الروائي الروسي دوستويفسكي: "إن الأفكار العظيمة إلى حد ما هي ثمرة قلب كبير وليست نتيجة ذكاء كبير" من هنا يمكننا قراءة التصوف والإهتمام به كمعرفة وجدانية تقوم على تهذيب النفس، فالتصوف ليس فكراً علمياً، بل ليس لديه القدرة على تطوير الواقع العلمي شيء، وقد لا يعطي في ذلك إلا المخاريق والغيبيات. إلا أنه يستطيع من خلال تسفيهه لمحدودية العلم أن يهدي غروره إلى لامحدودية ولانهائية الروح الإنساني. فالعلمي قد يزدري التصوف بصفته وهم، ولكن التصوف في وهمه استطاع أن يقبل العلمي بصفته طالب حقيقة، ومفارقة دوستويفسكي هنا تدعونا لإعادة النظر في الأدب الرومانسي للأوربيين الذين إلتحموا مع روحانية الشرق من أمثال غوته وتولستوي. فبالرغم من أن العقل البشري أستطاع بذكائه أن يكتشف الطاقة المتجددة وعلم الذرة، إلا أنه لا يزال متعلقاً بالقلب الحجري البدائي الذي لايزال يوظف العقل في سبيل الكراهية والحروب والفتك بالأمم. علينا إعادة إحياء التصوف كفكر إسلامي ينتمي لتراثنا؛ لو كان يُدرّس هذا الفكر في المدارس بدل تدريس التمذهب والأحقاد والكراهية لكان قادراً على أن يكون علاجاً لمحدودية الفكر الإنساني وغروره، فهو الطريق إلى روحنة العقل المتأدلج واعادته إلى الروح اللامحدود، الكوني، المطلق.

الأحد، 17 يوليو 2016

في مشكلة الخلافة / قراءات في النزعات

قراءة في الجذور الإجتماعية للحركات السياسية الإسلامية وتطورها الفكري بعد وفاة النبي





ساهمت الثورة الإسلامية بقيادة النبي محمد، والتي سماها المفكر الشهيد حسين مروة في كتابه النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية بـ "الثورة التقدمية"؛ وذلك لما تحمل من أهداف تسعى لنقل الرقعة العربية أنذاك من مجتمع القبيلة وإنقساماته الوثنية التعددية؛ إلى مجتمع موحّد. من هنا جاءت فكرة التوحيد أيضا، والتي مهد لها الحنفاء قبل الإسلام، فالتوحيد ليس مجرد شعار ديني، بل هو في مضمونه الإجتماعي التاريخي يعني وجود سلطة مركزية موحّدة تسعى لضمّ القبائل تحت رايتها، ونقلها من مجتمع القبيلة إلى مجتمع الدولة، أو الإمبراطورية، بما يحمل هذا الشكل من تغيرات جديدة على المستوى الإجتماعي، الإقتصادي، السياسي، والفكري.


القراءة التاريخية والقراءة الإيمانية


لا بد لنا أن نخرج من هذا الكتاب ونحن قادرين على أن نفرق عند القراءة لأي مؤرخ آخر بين القراءة التاريخية والقراءة الإيمانية، وبين القراءة التي تحمل مشاعر الكره أو الحب، وبين القراءة الموضوعية المتحررة من كل ذلك. فالكل من حقه أن يقرأ التاريخ بما يتوافق مع مصلحته في هذا الحاضر الذي يعيشه؛ ويبقى الحكم في نهاية الأمر لعقل القارئ وميزانه، فالقراءة الإيمانية هي التي تجعل من المتن هامشاً، وتجعل القراءة التاريخية من الهامش هناك متناً هنا، ما هو المتن هنا وما هو الهامش هناك؟

المتن في القراءة الإيمانية هو المقدس "الديني - الآيدلوجي - العقائدي" فهو مصدر الصراع وأساسه بين الحق والباطل، بينما يبقى الهامش هو الجذر التاريخي الذي تسير فيه حركة الفكر مهما كان مقدساً أو غير مقدس، ويصبح المقدس (القرآن والسنة مثلاً) الذي يعود لحدث تاريخي جزئي متطابقاً على جميع العموميات وصالحا لجميع الأزمنة والأماكن. أما القراءة التاريخية تجعل من المتن هناك هامشاً حين هي تقوم بتعرية حجاب المقدس، وتعمل على كشف الجذور التاريخية للفكر-النص-، ولا خصوصية أو إستثناء للإسلام أو للشعر الجاهلي، أو للنتاج الفكري الذي أنتجه المتكلمون من معتزلة وأشاعرة وغيرهم، وإن كان يأخذ بطبيعته مع مرور الوقت شكل الصراع الفكري، لكنه في باطنه لا يستطيع ان يتخلص من جذور الصراع الأولى، فيختلط  حاضر الإنسان ليصبح الدفاع عن؛ أو إستعادة الحق الإلهي أو الشورى الإسلامية اللذان جاءا في ظروف تاريخية محددة؛ هما الأولوية في مواجهة الباطل، ليختلط بأسم المقدس الأسود بالأبيض في الصراع الحاضر.

القراءة التاريخية بخلاف القراءة الإيمانية لا ترى الصراع التاريخي هو صراع بين الحق الإلهي والباطل الشيطاني، إنما هو صراع بين حق وحق، حق القبيلة مثلا، ومصالحها، وحق الثائرين عليها. حق الطبقة الإجتماعية تلك، وحق المناوئين لها. وإن كان لكلا الحقين ان يطغي على أحدهما السلب أو الإيجاب في حركة التاريخ، لكنه منها تأتي لغة الدفاع لتتخذ شكلها الفكري. ولا يمكننا معرفة سلبيات وإجابيات أي حركة تاريخية فكرية-إجتماعية إلا بالرجوع للواقع الذي تثور عليه أو تحاول تغييره، وتحرير العقل من النظر إليها نظرة الإعجاب أو الكره. فالصراع لا يأخذ شكلاً شخصانياً، وإنما هو الشكل الموضوعي لحركة التاريخ حتى لو تغيرت تلك الأسماء والشخصيات.


الإسلام: حربٌ على جبهتين!


يمكننا القول بأن الإسلام جاء في البداية ليحارب على جبهتين: "جبهة القبيلة وصراعاتها الإنقسامية الجاهلية، ويمثله من ناحية الفكر (الوثنية) وتعدديتها الإلهية" ومن هنا جاءت الكثير من الآيات التي تحث على الإعتصام بحبل الله وعدم الفرقة. فحرب الإسلام على الوثنية ليست حربا ضد الأصنام لذاتها، وإنما لما تمثله تلك التعدديات الإلهية من إنقسامات قبيلة هي في جوهرها سلبية وضد مشروع التقدم التاريخي للتوحيد الإسلامي وبناء الدولة العربية أنذاك. أما الجبهة الأخرى فهي جبهة الصراع ضد ظاهرة التمايز الطبقي: "الذي جعل من مكة والقبائل المجاورة لها منقسمة في داخلها إلى فئات فقيرة وفئات غنية" بعد أن قام العرب بتأسيس خط للتجارة يصل بين الساسانيين في الشرق والبيزنطيين في الشمال والأحباش جنوباً والذي سمي بـ "خط العطور" والذي يتمركز في مكة، خصوصا مواسم الحج الجاهلي. وقد جاء الإسلام أساساً على أنقاض ثورات فكرية وإجتماعية؛ حيث كان الحنفاء الموحدون يخوضون الصراع ضد التعددية الوثنية من الجانب الفكري، والذين لم يكونوا هودا ولا نصارى كما وصفهم القرآن، إنما جماعة من الناس يتأملون في وحدانية الخالق والكون والإنسان: "ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين". أما الصعاليك وغيرهم فيمثلون جبهة الصراع الإجتماعي ضد الطبقية، فهم جماعة من الفقراء غير المستفيدين  داخل قبائلهم؛ إنسلخوا عنها منزوين عن جماعتهم القبلية إلى الواحات، حيث كانت مهمتهم السلب من الأغنياء وقوافل الأغنياء. ويبدو هنا جليا أن الإسلام جاء ليكلل جهود تلك الثورات الفكرية-الإجتماعية حيث جاء في بدايته داعياً لتحريم كنز المال وأن يتكافل المسلمون فيما بينهم: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم"، إلا أنه سرعان ما نسخت أيه تحريم الكنز بآيه الزكاة بعد فتح مكة، التي أحلت لوجهاء قريش كنز المال مقابل تزكيته بنسبة قليلة منه، وهذا النسخ في التشريع واحد من نتائج نسخ التشريعات نتيجة لتغير الظروف الإجتماعية والمصلحة التاريخية لحركة الإسلام.


في مشكلة الخلافة


بالرغم من أن الإسلام جاء محارباً للتمايز الطبقي، إلا أنه كان واضحا بأن النبي محمد كان يفضّل المهاجرين على الأنصار في توزيع غنائم الحرب وتقسيم الثروة والمناصب السياسة ايضا، فالمهاجرون هم أوائل الداخلين في الإسلام والذين هاجروا من مكة مع النبي وعانوا ما عاناه داخل أسوارها. أما الأنصار فهم الذين إستقبلوا النبي في المدينة.

ما إن مات النبي سنة ٦٦١م حتى تنبهت تلك النوازع المكبوتة بين المهاجرين والأنصار، وقبل أن يشيع جثمان النبي إلى مثواه الأخير؛ صار كل فريق يريد أن تكون له سلطة الخلافة بعد النبي، وأن تكون له القيادة الفعلية لهذه السلطة.
في ذات الوقت أيضا برزت نوازع الإنقسام بين المهاجرين أنفسهم، وتنبهت رواسب القبلية الجاهلية بين بني هاشم الذين ينتمي لهم النبي محمد، وصهره وابن عمه علي بن ابي طالب. وبين بني عبد شمس وتميم وأمية وغيرهم، الذين ينتمي لهم سائر المهاجرين، ومنهم أبو بكر وعمر بن الخطاب. وعلي أن اكرر أن الموضوع هنا ليس موضوع شخصيات وانما موضوع صراع اجتماعي وضرورة تاريخية تستحثها طبيعة حركة التاريخ وقوانينه لامحالة؛ ذلك نتيجة لهذا الانتقال المفاجئ من الصراع القبلي الى صراع اوسع، وهو: "من هو الذي يجب ان يتولى شؤون المسلمين بعد تمركز جميع الصلاحيات في شكل سلطة مركزية واحدة، وهي الخليفة والخلافة!".


كيف إنفجر الصراع؟!   


هذه الجزئية ننقلها حرفيا عن  حسين مروة في كتابه لأهميتها ولأنها لا تحتمل الإيجاز: لمراجعة الكتاب (طبعة ٢٠٠٢، دار الفارابي-بيروت، ج١ ص٤٣٤)، وهو ينقل هذه الحوادث من مصدرين تأريخيين (تاريخ اليعقوبي، وتاريخ الطبري)، يقول:

"في حين كان علي بن ابي طالب والعباس بن عبدالمطلب عم النبي، وأسامة بن زيد أحد الصحابة، مشغولين في غسل جثمانه وتكفينه، ثم حمله إلى مدفنه قرب غرفته التي مات فيها ببيت زوجه عائشة، كان منادي "الأنصار" ينادي في "المهاجرين" قائلا: (اجعلوا لنا في رسول الله نصيباً في وفاته، كما كان لنا في حياته). فبدا أول الأمر أن ذلك لا يعني أكثر من أنهم يريدون أن ينالوا شرف توديعه والمشاركة في عملية الدفن. ولذلك بادر علي بن أبي طالب بدعوة أحد الأنصار، وهو "أوس بن خولي" أن يشارك في النزول معهم إلى القبر لدفن النبي وتوديعه الوداع الأخير. إلا أنه سرعان ما أنكشف المعنى الذي يقصدونه بكلمة "النصيب" التي أطلقها مناديهم. فقد ظهر أنه بينما علي بن أبي طالب يدعو صاحبهم أوس إذا بزعماء الأنصار هؤلاء يعقدون إجتماعاً طارئاً في "سقيفة بني ساعدة" ثم يعلنون إمارة المسلمين -أي الخلافة- بعد محمد لزعيم الخزرج الأنصاري: سعد بن عبادة.

بلغ الأمر أبا بكر وعمر بن الخطاب وبعض المهاجرين، فجاءوا مسرعين إلى حيث يجتمع الانصار، وأبعدوا الناس عن سعد بن عبادة الذي أعلنه أهل المدينة -الأنصار- اميراً. وشق أبو بكر طريقه إلى صدر الإجتماع وخطب في المجتمعين قائلاً: (يا معشر الأنصار! منّا رسول الله، ونحن أحق بمقامه) فأجاب الأنصار: (منا أمير، ومنكم أمير). فقال أبو بكر: (منا الأمراء، ومنكم الوزراء)، وإحتدم الجدال بين الفريقين "المهاجرين" و "الأنصار" وكادت الفتنة تشتعل بينهم، لولا أن أنقذ الموقف واحد من زعماء الأنصار: أبو عبيدة الجرّاح. إذ تقدّم إلى أبي بكر وبايعه بالخلافة فانقاد الأنصار لرأي أبي عبيدة الحاسم، فأصبح أبو بكرأول خليفة من الخلفاء الأربعة بعد وفاة النبي. والذين أطلق عليهم لقب (الخلفاء الراشدين): أبو بكر من تميم، ثم عمر بن الخطاب من بني عدي، ثم عثمان بن عفان من بني امية، ثم علي بن أبي طالب من بني هاشم، وكلهم من المهاجرين.

غير أن الصراع لم ينحسم بذلك، فقد كان بنو هاشم وهم آل محمد غائبين عن المشهد، فلما علموا بالأمر ثار بهم الغضب. وقَدِمَ بعضهم إلى حيث حدث الأمر، ووقف أحدهم وهو "عتبة بن أبي لهب" ينشد شعراً يمدح به علياً بن أبي طالب وكأنه يرشحه للخلافة دون غيره؛ داعيا إلى كون علي هو صاحب الحق وحده بالخلافة. وقد اتخذت حادثة الغدير التي سنتحدث عنها في الجزئية القادمة "تحول الصراع من سياسي إلى صراع ديني -إلهي-" حجة قوية لموقف أنصار علي الإجتماعي ولكن إختلف بنو هاشم مع غيرهم من قبائل المهاجرين والأنصار في تفسير الحديث لإختلاف الدافع الإجتماعي والطبقي في الصراع وموقعهم منه. ويقول اليعقوبي وهو مؤرخ شيعي موثوق أن علي بن أبي طالب بعث إلى عتبة هذا ينهاه عن دعوته التي أعلنها. ولكنه -أي علي- تخلّفَ عن مبايعة أبي بكرومعه جماعة من بني هاشم وبني أمية. ويبدو أن فريقاً من الغاضبين ذهب إلى علي بن أبي طالب يريدون مبايعته بالخلافة، فطلب إليهم أن يرجعوا إليه في الغد، فلما جاء الغد لم يحضر منهم سوى ثلاثة أنفار/ الطبري: ج٢ ص٢٠٢.

صحيح ان علي بن ابي طالب تعاون مع الخليفة الأول ابي بكر، وتعاون مع الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وصحيح قبل هذا أن الأنصار انقادوا لكبيرهم أبي عبيدة، لكن الصراع بقي كامناً أول الأمر، ثم ظهر واحتدم احتداماً دموياً حيناً وفكرياً أيديولوجيا حيناً. لأن الدوافع القائمة وراءه بقيت دون حسم، ولأن المحتوى الإجتماعي - السياسي لهذا الصراع هو هو لم يتغير. غير أنه صراع إيجابي تاريخياً، فهو من جهة أولى كان ضرورة يقتضيها قانون حركة التطور الإجتماعي، وهو من جهة ثانية كان مصدرا خصباً لنشوء حركات فكرية أصبحت فيما بعد من مكونات حركة تطور الفكر العربي الإسلامي، ولا سيما الفكر الفلسفي منه".

الحصيلة من هذه الجزئية: "أن الصراع لم يكن يأخذ بعدا طائفياُ أو دينياُ -فكرياُ- لأن النموذج الفكري للصراع هو شكل منبثق عما يسبقه من صراع اجتماعي سياسي بعد أن يركد ويستقرالأخير، فهو لم يكن يتعدى كونه صراع بين أحزاب أو فرق سياسية أتخذ أما شكلا طبقيا بين المهاجرين والأنصار أو شكلا قبلياً مترسبا من قيم الجاهلية ونموذجها القديم الذي لم يستطع الإسلام في عشرين سنة من دعوته أن يزيله تماماً، وهو ما سيشكل نظرية المعرفة عند شيعة علي متمثلة بعد ذلك في نظرية الحق الإلهي لوراثة الخلافة في بني هاشم، وبين نظرية المعرفة المنبثقة من موقف القبائل الأخرى من المهاجرين والأنصار وهي نظرية الشورى "شبه الديمقراطية" والتي تجعل الحق للبشر في انتخاب خليفتهم وليس الله، إلا أنها ليست الشورى بالصورة التامة، إذ أنها كانت محصورة في نخبة من المسلمين وقد أقصي فيها أخرون، من خلال انتخاب الخليفة نفسه لأشخاص معينين يقع عليهم الإختيار منه وتكون الشورى عليهم".


تطور الصراع من الشكل السياسي إلى شكله الديني


بالرغم من أن الصراع كان مسوقا بدوافع إجتماعية - وسياسية غير خفية، فقد إتخذ شكله الديني، لأن هذا هو الشكل التاريخي له موضوعياً في ذلك العصر. ومن هنا تحول ظاهر الصراع من صراع بين المهاجرين والأنصار إلى صراع بين حق الهاشميين وسائر القبائل على الخلافة.

وهنا أشغل الصراع الإجتماعي العقل في إيجاد المفهوم الإسلامي المناسب للخلافة: فهل هي حق إلهي؟ وهل الخليفة يجب أن يكون منصب من قبل الله، شأنه شأن النبوة والنبي عند المسلمين؟ أم أن الخلافة منصب رئاسي لا يأتي اختياره من عند الله، بل هو حق من حقوق المسلمين أنفسهم، فهم الذين يقررون الصفات التي يرون ضرورة توافرها في من يتولى امر هذا المنصب؟... بين القائلين برفض كون الخلافة منصبا إلهيا، نشأ نزاع أخر وسؤال آخر: هل واجب أن يكون الخليفة من بني هاشم في قريش؟ أم واجب أن يكون من قريش بوجه عام، أم يصح أن يكون من غير قريش في العرب، أم يصح أن يكون من العرب وغير العرب من المسلمين حتى لو كان "عبداً حبشيا" والأخير هو رأي الخوارج، وهو الوجه الإجابي والإنساني لحركتهم. وكل تلك الآراء لا تنفصل عن الموقع الطبقي الذي يتبوأه القائلون بالرأي دون الآخر، كون تلك الآراء إنطلقت من بيئة الصراع نفسها ومواقع المتصارعين فيها.

القول بأن الخلافة حق إلهي/ هو القول الذي إتخذه أنصار علي بن أبي طالب، وصار بعد ذلك أصلا من أصول العقيدة والإيمان عند الشيعة، حيث الإيمان بالإمامة شرط من شروطها. والنص الأكثر إعتماداً لهم والأقوى سنداً تاريخيا واسلامياً عند كافة المؤرخين (سنة وشيعة) هو ما يسمى بـ "حديث الغدير"، وقصة الحديث هي:
"أنه عندما عاد النبي من حجه الآخير"حجة الوداع"، أوحي إليه في الطريق: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته). وجمع الناس عند غدير يقال له "غدير خم" ثم أخذ بيمين علي ورفعها وقال: (يا أيها الناس! ألست أولى منكم بأنفسكم!). قالوا: بلى. فقال: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه. اللهم وال من والاه وعادي من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وادر الحق حيثما دار).

هذا الحديث يتفق على صحته كما يقال تاريخياً، فهو حدث تاريخي من تلك الناحية، ولكن أختلف المسلمون في دلالته، ومركز الإختلاف كلمة: "مولى" او "الموالاة" الواردة في الحديث. فالشيعة يفسرونها على أنها تعني وراثة الخلافة في أمور المسلمين؛ جملةً وتفصيلاً. اما سائر الفرقاء من المسلمين قالوا: إن كلمة مولى وكل ما ورد في الحديث من أفعال ومشتقات للكلمة، تدل على المودة والمحبة فقط، وليست تعني النص على الإمامة. في مثل هذا الجانب الديني قال بعض المسلمين أن النبي نص نصاً خفياً على خلافة أبي بكر، لا على خلافة علي. وذلك ما يذكرونه من ان النبي امر الصحابة، أثناء مرضه الأخير، ان يصلّوا جماعة وأن يكون أبا بكر إمامهم في صلاتهم هذه. فقالوا إن الإمامة في الصلاة هي الإمامة الصغرى، وإن ذلك يوحي بإسناد النبي الإمامة الكبرى لأبي بكر. وقد إستند عمر بن الخطاب إلى هذه الحجة في طلب البيعة لأبي بكر يوم السقيفة...
وهناك طرفاً آخر دخل خط التنافس على منصب القيادة العليا للسلطة الإسلامية. إذ نرى مثلاً، حين إنتهى الأمر لخلافة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، أن أبا سفيان بن حرب  - والد معاوية مؤسس الدولة الأموية -  تخلف عن مبايعة أبي بكر، وقال مثيراً زعماء قريش: (أرضيتم يا عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم). وبنو عبد مناف هو الفرع الذي ينحدر منه أجداد القبائل القرشية. وتقول المصادر إن بني هاشم وبني أمية بالرغم من إختصامهم؛ غضبوا أن يتولى أمرهم رجل من تميم -أي أبو بكر-، من هنا ظهرت آراء في الخلافة: هل هي حصر في فئة من قريش، أو في قريش جملة، أو هي حصر في العرب، أو هي للمسلمين جميعا، عرباً وغير عرب؟!

كان شكل الصراع في كل ذلك فكريا دينيا، وكانت الحجج لكل فريق دينية أيضا، لكنه صراعٌ إجتماعيٌ-سياسيٌ بجوهره ومضمونه. وقد انتهى عصر الخلفاء الراشدين الأربعة تاركاً في الحياة الإجتماعية والسياسية والفكرية ثلاثة تكتلات رئيسية: "شيعة علي بن أبي طالب، حزب الأمويين، الخوارج." وهناك كتل أخرى ثنوية ظهرت سريعاً وانطفأت سريعاً، دون أن تترك في الحياة الإجتماعية والسياسية أثرا مهماً. وإنتهى عصر الخلفاء الراشدين بعد علي بن أبي طالب ولا تزال المسألة في صراعها الفكري الأيدلوجي لتلك الحوادث التاريخية رهن الصراع الفكري الإسلامي اليوم، بل إن هذا الصراع الفكري لا يمكنه أن يبني الحاضر إلا على أساس إرتهانه لذلك الصراع وإستعادة إما الحق الإلهي لعلي في الخلافة متمثلناُ في حق شيعته، أو حق الشورى بشكلها في عصر الخلفاء. لتتخذ اليوم شكل الصراع الديني ايضا بين الفكر والفكر، وهي لا تزال في جوهرها ومضمونها ليست كذلك.

الاثنين، 20 يونيو 2016

نظرية الحركة الجوهرية عند الشيرازي ومخطط الإرتقاء الأول




هذا الكتاب جوهرة معرفية نفيسة، والذي عدت إليه بعد حوار دار  حول موضوع عقلنة الحيوان: "هل للحيوان عقل أم 
.لا؟" وهذه المقالة لن تتطرق للإجابة على هذا السؤال  بقدر ما هي تطرح أسئلة جديدة ومعارف أساسية أخرى


ترى النظريات المثالية ثبات الماهيات: "الإنسان إنسان، والحيوان حيوان، والنبات نبات" وكل هذه الكائنات موجودة بماهيتها وهي قديمة ومستقلّة عن الأخرى -هكذا وُجِدت على الأرض-. وأحدثت نظرية الحركة الجوهرية للفيلسوف الاسلامي صدر الدين الشيرازي (١٥٧٢-١٦٤٠م) الذي يُلقب بصدر المتألهين أو الملا صدرا أحيانا؛ طفرة في تراثنا المعرفي، والتي أثارت حنق معارضيه وجعلته ينأى في عزلة عن العالم. إلا أن هذه الطفرة كانت الخطوة الأولى في سبيل معرفة أعمق للوجود، وتستحق هذه الشخصية ان يُحيى تراثها، ولو كانت الشخصية شخصيةً غربية لرأينا عنها آلاف الدراسات والأعمال السينمائية.

مادة الكتاب المكون من ١٧٠ صفحة، صعبة ومتقدمة علي، وتحتاج أن يُفحص محتواها من قِبل شخصٍ حاذقٍ ومتبحرٍ في مباحثِ الفلسفة والطبيعيات، واعترف أن الكتاب الذي أخذ معي قرابة الشهر ونصف من القراءة المتأنية لا أزال أجهل ما دار في بعض صفحاته، ولازالت تغيب عني معاني بعض الكلمات. وسأحاول بقدر الإمكان تلخيص جزء مما يهمنا هنا في هذه المقالة.

تقوم نظرية الحركة الجوهرية على فكرة رئيسية وهي أن الحركة في الأجسام ناتجة عن حركة جوهرية في داخلها، وهذا ما يثبته علم الفيزياء الحديث، حيث أن الجسم المتحرك يتألف من مجموع حركة الجسيمات* داخله (الجسيم هو أصغر جزء في الجسم). فالمتغير لا يصدر عن الثابت حسب قول الشيرازي. وهذا ما سيحيله في نهاية المطاف إلى القول بعدم ثبات الماهيات، نتيجة التغير المستمر في الجوهر -المادة- وأزليتها وفق مبدأ: المتغير لا يصدر إلا عن متغير مثله. ويستشهد الملا صدرا بالآية القرآنية: "كل يومٍ هو في شأن" في محاولة للتوفيق بين الدين والفلسفة.

"الحي خرج من اللاحي"  فعند الشيرازي العالم كله مرتبط ببعضه في وحدة تامّة. والحركة عنده تنقسم إلى ثلاث أشكال: حركة كيفية، وحركة كمية، وحركة أينية وهي تحرك الشيء من مكان لآخر. أما الحركة الكيفية فمثالها التغير الحاصل مثلا في إسوداد قشرة الموز، والتعفن مثلاً، أو إشتداد حركة الماء عندما تحيله السخونة بالقوة إلى بخار، إلا أن جوهر الماء والبخار يرجع الى أصلٍ واحدٍ مشترك في المعادلة الكيميائية قبل ان يتحد مع الهواء. أما الحركة الكمية فهو ما يحدث في الاجسام من نمو وتذبّل. وللشيرازي تفسير للموت؛ بأنه يحدث نتيجة اشتداد تجوهر النفس في البدن فلا يستطيع لمحدوديته ان يتسع لها: "إن الموت هو قوة تجوهر النفس واشتدادها في الوجود"

ما يهمنا من نظرية الحركة الجوهرية أنها ستكون نقطة الفصل في تراثنا المعرفي بين من يعتبرون الماهية البشرية ثابتة متميزة الى كونها ماهية ارتقت تدريجياً عبر تاريخ حركة الجوهر في الوجود والتي تشترك في خصائصها مع سائر الموجودات، ومادتها مستمدة من مادة الطبيعة التي تمدنا بالطاقة والغذاء.

إن القول بتطور الوجود إلى مراتب وأطوار يستدعي كل منها معنىً ذهنياً يتحد بها، أي يقتضي بالضرورة ماهيات أوكائنات غير ثابتة تبعاً لعدم ثبات الوجود -الجوهر، المادة-. على أن الإعتراف للماهية بعدم الثبات لابد أن يفضي إلى قبول التغير الفعلي في الأنواع. تلك الظاهرة المخيفة التي منعت السابقين من إيقاع الحركة في الجوهر.

"العالم لم يوجد كاملاً، كما هو عليه الآن، بل تدرج في مراتب الوجود حتى بلغ هذه المرحلة، وهي ليست آخر المراحل، فما دام الوجود في حركة فالإرتقاء مستمر"


هادي العلوي في نقده وتقييمه للنظرية، يقول: الإتفاق اليوم حاصل على تسلسل الإنسان من حيوانات منقرضة، أحط منه في سلم التطور، أما الإنتقال من الشكل اللاحي إلى الشكل الحي من المادة فيكاد أن يصبح من بديهيات العصر. وتكشف هذه الحقيقة العلمية الراهنة عن الأهمية القصوى لحدس الشيرازي واصحابه، ولكن سلسلتهم لم تعد صحيحة من وجهة نظر العلم. ومن أخطائها اعتبارها الحيوان منحدراً من النبات. إن البيولوجيا الحديثة قد عالجت هذا الموضوع فرجحت أولا أن الخلية الأولى ليست نباتاً ولا حيواناً وإنما هي مادة حية تتألف من مادة البروتوبلازم* بكيفية لا يزال الكثير من تفاصيلها مجهولاً. ولكن ثمة افتراض أن يكون النبات أسبق إلى الظهور من الحيوان، ومستنده أن النبات يستطيع بفضل الكلوروفيل تركيب الكيربوهيدرات من المواد اللاعضوية البسيطة مثل ثاني أوكسيد الكربون والماء بمشاركة الضوء كمصدر للطاقة. أما الحيوان فيحتاج الى البروتين الجاهز المتوفر في العضويات الأخرى، التي يفترض أن تكون اسبق منه وجوداً كما تفرض عليه هذه الحاجة أن يسعى للحصول على الغذاء وهذا يستدعي أن يكون للحيوان قوى عالية التطور تمكنه من الحركة والتنقل. وليس من شك إن هذه القوى لا تظهر إلا في مرحلة متقدمة من تطور المادة العضوية.

لكن، أليس لدى علماء الإحياء ميل معلن إلى مثل تلك النظرية القائلة بتسلسل الحيوان عن النبات؟

حسب المخطط الإرتقائي المبسط الذي وضعه مسكويه، والشيرازي وأصحابهم من الفلاسفة، فإنهم يجعلون تسلسل المادة في الطبيعة هكذا: جماد /حلقة وسيطة/ نبات /حلقة وسيطة/ حيوان /حلقة وسيطة/ إنسان. والحلقة الوسيطة هي التي يسميها العلماء همزات وصل أي هي مخلوقات تتمتع بخصائص مشتركة -نباتية حيوانية- ومنها: العينون الأخضر Euglena viridis من السوطيات. والعينون وامثاله من الكائنات تجمع بين الإغتذاء الداخلي "التمثيل الكلوروفيلي" والإغتذاء الخارجي إذ أنها تواصل التغذي مع غياب الضوء وهو ما يفرق مملكة الحيوان عن النبات. وقد اعتبر أخوان الصفا الكمأه وهي نوع من الفطريات fungi بأنها مشتركة بين الجماد  والنبات، وهو رأي لا يخلو من وجاهة، فهي عند العلماء اليوم كائنات دنيا تقبع في أسفل شجرة الحياة وقد اختلفوا فيما بينهم بين من وضعها في مملكة النبات ومن صنفها ككائنات عضوية مستقلة عن مملكتي النبات والحيوان، أما الإنسان فهو خلية حيوانية في الأساس من جملة الثديات.


الكمأة أو بالعامية الفقع Terfeziaceae 
العينون الأخضر Euglena viridis 


"يستحيل المعدن إلى جسم النبات بالتغذية ويستحيل النبات إلى جسم الحيوان بنفس الطريقة"


أليس جسمك يحوي كل معادن هذي الأرض؟ يقول الفيلسوف في كتابه شواهد الربوبية حول مراحل نشوء الفرد البشري: (النفس الآدمية ما دام كون الجنين في الرحم درجتها درجة النفوس النباتية على مراتبها. فالجنين نبات بالفعل وحيوان بالقوة. إذ لا حس له ولا حركة إرادية. وبهذه القوة يمتاز عن سائر النباتات. وإذا خرج الطفل من جوف أمه صارت (النفس) في درجة النفوس الحيوانية فهو حيوان بالفعل إنسان بالقوة ثم تصير (النفس) ناطقةً مدركة للكليات بالفكر والروية). وهذا القول مشابه إلى حد كبير لِما قاله عالم الطبيعة الألماني أرنست هيگل (١٨٢٤-١٩١٩م): "إن سلسلة الأشكال التي يمر بها جسم الفرد في أثناء نموه من البيضة المخصبة إلى أن يكتمل هي إعادة موجزة للسلسلة الطويلة من الأشكال التي اجتازها أسلاف هذا الفرد من أقدم أزمنة الخلق العضوي حتى الآن". وتشكف دراسة الجنين الإنساني عن حقائق مدهشة؛ فقد لوحظ أن جسم الجنين مغطى كله عدا الشفتين وباطن اليدين والقدمين بشعر كثيف يشبه فروة القرد، ويسمى (الوبر الجنيني) وهو يختفي قبيل الولادة، وقد يبقى في أحوال شاذة. كذلك توجد لدى الجنين خمس مجموعات من الغدد اللبنية تنتشر في أنحاء جسمه وهذه تشير إلى حلقة سحيقة من حلقات التطور كان فيها أسلاف البشر يمتلكون أكثر من زوجين من الأثداء. ولا يرى علم الأحياء اليوم أن الإنسان تطور تطورا مباشرا عن القرد الذي نشاهده ونعرفه كما تفهم النظرة السطحية لتلك الحقيقة العلمية عن الإرتقاء، وقد عني علماء الأحياء من بينهم نستورخ بدراسة خصائص فصيلة من الحيوانات المنقرضة هي القرود البشرية Anthropoid apes وهي الفصيلة المرجح اعتبارها سلف الإنسان القردي المسمى بإنسان بيثيكانتروبوس والفصائل الأخرى المشابهة كإنسان النياندرتال.




بعد عرض كل هذه الحقائق العلمية التي رفض الأقدمون التطرق لها إما نتيجة رؤية إعتقادية في الخلق الكامل للكائنات ونزولها من السماء على احسن وجه، أو ثبات الماهيات. نقول هل بعد عرض هذه الحقائق يبقى للإنسان فضل وتميز على سائر الكائنات؟ أم للكائنات الفضل كل الكائنات على ذلك الإنسان، حيث إرتباطه الوثيق بها؟ وهل العقل هو تميز في الانسان ام هو تطور تدريجي يوجد عند سائر الكائنات، كما يقول ابن رشد بقنونة العالم: "العقل ملازم لكل موجود. فالعالم معقول، لأنه يخضع للقوانين" واذا قلنا بأزلية المادة فإنها عند الشيرازي تبقى وسط اشتداد النفس ومفارقتها للجسد...فهل تفعل الطبيعة في جسد الإنسان ما تفعله في المطر؟ اي ما تفعله في الماء من خلال التبخر والتكثف، وإعادة التسخين... فتعيده ماءً؟ ألهذا السبب أوصى المفكر العراقي الراحل هادي العلوي أن يُحرق جسده بدل أن يُدفن، حتى يتحول بصورة أسرع إلى طاقة وتستفيد منه كائنات الوجود؟ إن لهذه الطبيعة أسرارٌ محيرة لا تزال تستحق الإكتشاف قبل أن نسلمها جزافاً لإرادة السماء.



ــــــــــــــــــــ
*البروتوبلازم: يطلق العلماء على المادة الحية مصطلح (البروتوبلازم) الذي يعد الأساس الحيوي للكائن الحي وهو التركيب الذي له القدرة على القيام بعمليات الأيض من هدم وبناء، ويقوم بجميع متطلبات الكائن الحي من تكاثر واستمرارية وثبات.

الخميس، 9 يونيو 2016

القصبي وكوميدياه السوداء للتعصب المذهبي


  • القصبي وكوميدياه السوداء للتعصب المذهبي

  • قراءة تحليلة لحلقة "على مذهبك" من برنامجه "سيلفي٢"



  • نصف الصورة "سراب"

  • هناك صورة قد نُشرت على صفحات الانترنت قد قُسِّمت إلى نصفين: نصف يُظهر القاتل قتيلا، والنصف الآخر يُظهر القتيل قاتلاً، ولكن الصورة الحقيقية هي التي يمكن ان نطلقها على من شاهد المشهد كاملاً بكل حقيقته وموضوعيته
    كان قد دعاني احد الاصدقاء لمشاهدة الحلقة إلا أن الوقت قد سبقني للحاق بها وحين عدت لشقتي كنت قد فتحت التلفاز على الثلث الأخير من المشهد: "ناصر القصبي في الحسينية، وكأنه يقدم شخصية رجل الدين الشيعي الصفوي كما سماه شريعتي، وهو الذي يهتم بالخرافة دون الحقيقة، ويحب لكنه لا يعرف" ومن هنا يأتي الغلو. وبالرغم من أنني اصبحت أميل للقراءات الأدبية والفلسفية الإنسانية على القراءات الدينية، إلا أنني قد أختلفت مع صديقي الذي شاهد الحلقة كاملة بصورتها الكوميدية المنصفة. وما كان مني إلا أن أعدت على اليوتيوب دمج الصورة لتتضح. ويمكن ان يشاهد آخر تلك الصورة كاملةً ولكنه سينظر إلى ما يمسه منها اي سينظر لتلك الحلقة على أنها تمسه هو فقط. وليس ضعفاً ان يخطئ الإنسان في رؤيته أو أن تكون ناقصة ولكن الضعف هو أن يرى الصورة كاملة ولا يعترف بها


    كوميديا سوداء

  • تُعَرَّف الكوميديا السوداء على أنها تُقدم أسوء ما في الواقع بصورة ساخرة. فمن قال بأن الحلقة هي عبارة عن تشويه للشيعة او تشويه للسنة، فإن الواقع هو ليس في الحلقة بل الحلقة هي انعكاس لأسوء ما في الواقع الشيعي والسني، فعندما يقول القصبي مثلا بلسان رجل الدين الشيعي: "بأن من لم يعترف بكامل الطقوس الشيعية فلن يشم رائحة الجنة" وعندما يقول في مقولة اخرى لإبنه الذي تربى في بيئة سنية: "نروح الحسينية بس مو تفجر!" لا يعني في الأولى أن الشيعة حقاً يؤمنون بعلاقة الطقوس والجنة ولكن هناك الكثير من الاصوات الشيعية الصفوية او التشيع الاسود كما سماه شريعتي تصرح علانية على الفضائيات مثلاً: بأن من لم يوالي علي بن أبي طالب مهما فعل من خير ومهما فعل من أعمال في خدمة الناس وحتى لو كان مسلماً لا يدخل الجنة!
    في الجانب الآخر لا يعني قول القصبي لإبنه المتربي تربية سنية "مو تفجّر" بأن الآخوة من الطائفة السنية يدعون لتفجير الشيعة ويحلون دماءهم، ولكن هناك نموذج بارز في الفضائيات السلفية المتشددة يدعوا بصورة واضحة لمهاجمة الشيعة وحلية دمائهم، بل وغيرهم من المتصوفة والزيدية واهل الشرك! فالحلقة هي عبارة عن كوميديا سوداء فلا نحملها اكثر مما هي عليه، اي ما نحمّله النقاد العلميين. فالتشويه للتشيع والتسنن هو حادثٌ من داخلهما، ولا ننتظر حلقة سلفي لتشوههما، وعلى الاصوات المنصفة من التسنن المحمدي والتشيع العلوي ان تجتمع لنبذ هذين النموذجين من التعصب الأسود الفاقع

  • *أحمد السعيد

الأحد، 29 مايو 2016

الأشهر الحُرُم/ قراءات في النزعات

جانب من مناسك الطواف قديماً


الأشهر الحرم هي الأشهر التي حرم فيها العرب القتال وإنتهاك الحرمات. وكانت الظروف التي هيئت لهذا العرف أن الأرستقراطية المتمثلة في تجار قريش وقبائل الحجاز قبل الإسلام قد إستغلت موقعها الاستراتيجي الواصل بين الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية المتصارعتين أن وقفت مكة موقف الحياد. وهذا الموقف الحيادي إلى جانب موقع مكة الإستراتيجي كان من مصلحتها، إذ سهل لها ان تكون هي الخط التجاري الواصل بين إمبراطورتي: الروم البيزنطية، والفرس الساسانية. حيث ينقل محمد حسين هيكل في كتابه "حياة محمد" بأن هاشم بن عبد مناف قام بعقد معاهدة مع الإمبراطورية الرومانية، وعقد عبد شمس بن عبد مناف معاهدة تجارية مع النجاشي في الحبشة، وعقد نوفل والمطلب بن عبد مناف حلفاً مع فارس.

إلا أن الأوضاع الداخلية في شبه جزيرة العرب كانت لا تزال تخضع للشكل التنظيمي القائم على أساس الصراع القَبَلي، وكان لا بد من وضع أعراف تقوم على تأمين خط التجارة ذاك، والذي كان يستفيد منه فئات كبيرة من سكان المدن والبادية، سواء كانوا ممن يقوم بتأمين القوافل، أو بتشغيل بعضهم كأدِلّاء أو مقدمين خدمات ضرورية على طول الطريق. إضافة لرؤساء القبائل الذين يأخذون الإتاوات والضرائب والهدايا مقابل حماية القوافل التي تمر على حدود جغرافيتهم. فقاموا بتنظيم أسواق موسمية كموسم "الأشهر الحرم".

ينقل الدكتور جواد علي في "تاريخ العرب قبل الإسلام" أن أهل الحجاز في الجاهلية قد قسموا أشهر السنة إلى إثنتي عشر شهراً، أربعة منها سميت بالأشهر الحرم. ثلاثٌ منها متوالية: ذو العقدة، وذو الحجة، ومُحرّم. وشهر منفرد وهو رجب. وقد رتبوا أوقات هذه الأسواق على نحو يضمن لها الهدوء والأمان، لأنهم إعتبروها مقدسة لا يجوز فيها القتال ولا البغي ولا إنتهاك الحرمات. وقد كان الحج من أكبر مواسم الربح لقريش.

وطريق التجارة هذا والمستفيدون منه خلق تمايزاً أجتماعياً كان الأساس هو الآخر في تفكك النظام القبلى القائم على المقايضة ودخول الاقتصاد النقدي الذي هو نمط غريب على أهل الحجاز وخاص بالإقتصادات الكبرى -الإمبراطوريات- وهذا كذلك ما سيُحتم على الثورة القادمة أن تبدأ من مكة القرشية لتسابق هي كذلك الأمبراطوريات العُظمى. وحافظ الإسلام على حرمة هذه الشهور والتي فرضت أن تكون أشهر سِلم: "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ" حيث ظل ذلك الخط التجاري مصدراً أساسياً لتنمية إقتصاد الدولة الإسلامية

* راجع: حسين مروّة، النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية، طبعة دار الفارابي-بيروت ٢٠٠٢، ص٢٦٨-٢٧٣

الثلاثاء، 24 مايو 2016

القبيلة-التمايز الطبقي-الصعاليك-الإسلام



تُعَرَّف القبيلة على أنها النظام الإجتماعي القائم على رابطتي الدم والنسب. ونتيجة لهذا النظام كان كلُّ من ينضوي تحت رابطة القبيلة تلك يحضى بجميع ما يحضى به أفرادها من خيرات. وفي الجاهلية الأولى كان المرء يمر على البئر فلا يُقال هذا بئري وإنما يُقال هذا البئر لبني فلان، وذلك المرعى لإبل١  بني فلان. أي مُلك مشاع للقبيلة. ومن رواسب المشاعية البدائية تلك قول النبي محمد: "الماء والكلأ مشاع". أي الماء والعشب لا يباعان ولا يشتريان.٢

وأما العلاقات الإقتصادية فإنها ضمن هذا السياق كانت تأخذ شكل التبادل البضاعي الجماعي. أي بين القبلية والقبيلة الأخرى كوحدتي إنتاج. وكانت البضاعة التي تُقَيَّم بها سائر البضائع هي "الإبل" وهي بضاعة البضائع كما عبر عنها فريدرك إنجلز؛ أي هي وِحدة الإنتاج الحالّة محل النقود. وذلك كان لما تحمله الإبل من مكانة عند أهل البوادي -البدو-.

ولكن التبادل التجاري هذا يحمل في داخلة صيرورة النفي والولادة، نفي نظام الملكية الجماعية، وولادة نظام جديد يقوم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، فالقيمة التي حضيت بها الإبل في العصر الجاهلي الأخير كوسيلة إنتاج أساسية في التبادل التجاري جعلت من الأفراد يتسارعون في الإستحواذ عليها. فأصبح يُقال هذه الماشية لفلان، وذاك المرعى لفلان، وأشهر ما يدل على تطور الملكية الخاصة بهذه الصورة ما حدث في أواخر القرن الخامس الميلادي -أي حوالي القرن ونصف القرن قبل الإسلام-٣   نقصد "حرب البسوس" التي كانت نتيجة قيام جساس بن مرة الشيباني بقتل إبن أخته كليب بن ربيعة الذي أدمى ناقة خاله لأنها دخلت ترعى في أرض حماها كليب ومنع الرعي فيها إلا لإبلهِ.

أما رؤساء القبائل فإنهم علاوة على المكانة الإجتماعية التي كانوا يحضون بها أصبحت لهم مكانة إقتصادية تميزهم على سائر أبناء القبيلة، إذ صاروا يمتلكون خياماً أرفع وأجود قماشاً، ويستحوذون على الكم الأكبر من الماشية، والتي كانت تدر عليهم أموال ومقتنيات وفيرة: كالسجاجيد النفيسة والأواني المعدنية والزجاجية الغالية الأثمان، كذلك أفضل الأسلحة وأسرجة الخيل جراء التواصل التجاري بينهم وبين الإبراطوريتين البيزنطية في الغرب والساسانية -الفارسية-  في الشرق، إضافة لأهل الحواضر الذين كانوا يسكنون الواحات والأماكن المناسبة للزراعة حيث كانوا يتقايضون الفائض منها مع الماشية.

إذن كان من الضرورات الحتمية جراء تطور البنية الإجتماعية بهذا الشكل أن تنشأ إنقسامات أخرى هي أعمق وأشد، فعلاوة على إنقسام شبه جزيرة العرب إلى قبائل أصبح الإنقسام الطبقي القائم على الملكية الخاصة هو العامل الجديد في حركة التاريخ والذي أوجد في كل قبيلة: "مترفون" يقابلهم "فقراء" يعانون الشقاء المادي. حيث ان الإنقسام الطبقي أصدق تعبيرا من الإنقسام القومي والقبلي؛ لأنه المكون الأساس لحاجات الإنسان، وهو الذي أدى لنشوء تحالفات قبلية جديدة قائمة على المصالح التجارية بين الرؤساء وولاءات أخرى إنضمت فيها القبائل الضعيفة إلى القبائل القوية. وإيضاً إلى نشوء ظاهرة الصعلكة التي هي نتيجة مباشرة لهذا التمايز الإقتصادي-الإجتماعي. والصعلكة مشتقة من الصعاليك؛ وهم فئات من الفقراء الذين يعانون الشقاء المادي في قبائلهم فإنسلخوا عنها وتفردوا في الصحراء للغزو والسلب. ويبدو جلياً الآن ما قاله برتراند راسل: "إن أول شرير هو أول من إتخذ قطعة أرض وقال هذا ملكي".

ولنا أن نذكر أشهر شعراء الصعاليك "عروة بن الورد" المتوفي عام ٣٠ قبل الهجرة، والذي عُرف بسطوه على قوافل الأغنياء ليطعم منها الفقراء، حيث قال في أحد أشعاره:
لحى الله صعلوكاً إذا جنَّ ليله      مضى في المشاشِ آلِفاً كلَّ مجزرِ
وهو هنا يصوِّر حالة الصعلوك الذي لا يجد في ليلهِ غير رؤوس العظام يمضغها...

 كل هذه التطورات في القرنين السابقين على الإسلام هو ما سيؤدي إلى نشوء ثورة إجتماعية تغير مجمل تاريخ العرب وهي الثورة الإسلامية بقيادة النبي محمد في مكة، الموقع الإستراتيجي المهم الواصل بين البيزنطيين شمال البحر الأحمر والساسانيين غرب جزيرة العرب. وحسب ما يورد حسين مروّة أن هذه الثورة ليست ثورة غيبية، ليست صدفة من خارج التاريخ، وإنما للمعرفة نحتاج الدخول في صلب البنية الإجتماعية، في داخل حركة التاريخ المادي لشبه الجزيرة العربية أنذاك، وبالتحديد في مكة، وبتحديدٍ أكبر في بني هاشم.



ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) الإبل: هو الجَمَل. وجمعها: آبال
(٢) المشاعية: المرحلة الأولى من الملكية في تاريخ الإنسان حسب التأريخ الماركسي، وتعني الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج
(٣) ينقل حسين مروة أن المصادر الوحيدة التي يمكن أن ندرس فيها العصر الجاهلي قبل الإسلام هو الشعر الجاهلي إذ أن الشعر هذا لا يعبر فقط عن خيالات ومشاعر فردية بل يعبر أيضا في كثير منه عن البنية الإجتماعية والإقتصادية في شبه الجزيرة العربية أنذاك، إلا أن هذه الأشعار أقدمها يعود لقرن ونصف أو قرنين قبل الإسلام. وتبدو المصادر ضعيفة بل غائبة إذا ما أردنا التحدث عن الجاهلية الأولى إلا من خلال الشعر الجاهلي نفسه.


* كانت هذه المقالة إسهاماً أو محاولة لأن تسلط الضوء على تطور البنية الإجتماعية في النظام القبلي ونشوء ظاهرة الصعاليك قبل الإسلام معتمدين على ما ورد في "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" للشهيد حسين مروّة، ولا يسع ان نذكر كل ما ورد في الكتاب من تحليلات وأفكار في مقالة واحدة. راجين ان يكون في الوسع كتابة ملخص بعد الإنتهاء يضم أهم ما ورد فيه إضافة للمنهج الذي يستد عليه الكاتب في قراءة التاريخ.

** راجع: حسين مروّة، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، طبعة دار الفارابي - بيروت ٢٠٠٢، ص ٢٤٦ - ٢٥٦ 


الأحد، 8 مايو 2016

مسألة خَلق الإنسان وخَلق الأديان: المثالية - الربوبية - المادية


هناك سؤال وجودي يطرحه يوسف زيدان في منتصف روايته "عزازيل" قائلا: "من خلق من؟  الله خلق الإنسان أم الإنسان خلق الآلهة؟"

تساؤل عميق جداً، هو في جذوره يعبر عن الصراع الفلسفي بين المادية -الفيزيائية-، والمثالية -الميتافيزيائية أوما وراء الطبيعة-. ليس سؤالاً ثانوياً ذاك، بل هو التساؤل الذي يكوّن أبسط قناعاتنا السياسية، السلوكية، الاجتماعية. أما تلك السلطة التي تريد أن تسيطر على فكرك وتجعلك تحت عباءتها الحزبية السياسية فإن مثل هذه الأسئلة بالنسبة لها من المحرمات: "فمن يسبق من: مادة الوجود -الكون- أم روح الوجود -النفس، العقل، الآلهة-"


أعادني لهذا التساؤل في رواية يوسف زيدان ما عبر عنه "بوعلي ياسين" في كتابه الثالوث المحرم نقلا عن الفيلسوف المادي فريدرش أنغلز في حديثه عن نشوء وتطور الدين، قوله: "استقل البناء الفوقي في وعي البشر عن البناء التحتي، وتعاكست الأدوار في وعيهم، إذ أصبح (العقل) أو (الروح) يتحكم بالجسم، وأصبح المخلوق (الآلهة) يتحكم بمصائير الخالقين (البشر).١وهو -بوعلي ياسين- ينقد فكرة الفيلسوف المثالي هيغل حول "ما هو الدين"، هيغل عرّف الدين بأنه: (نظرة إلى الكون وطريقة حياة محددة بالإيمان بوجود إله أو ألوهية، وهو شعور بالإرتباط وبالتبعية وبالإلتزام تجاه قوة غامضة سائدة جديرة بالإجلال). يقول بو علي ياسين هذا التعريف غير مفيد لأنه (مثالي)، ولا يربط بين الشعور والواقع؛ بين النظرة إلى الكون والعلاقات الإجتماعية الإقتصادية التي هي اساس تطور الاديان واختلافها وتعددها".٢


لكن ما يصدم القارئ عبر النظر في تاريخ التساؤل القديم هذا بأنه لم يُطرح فقط بين المثاليين والماديين، بين الفيزيا والميتافيزيا في حروبهم الفلسفية؛ بل طُرح هذا التساؤل من داخل أروقة الروحانية ومن قِبل أكثر الفلاسفة زهداً وورعاً: "هل الإنسان هو من خلق الآلهة عبر التاريخ وطوّر مفاهيم الدين واختلف فيها فتعددت حسب ظروفه، أم أن الآلهة هي التي خلقت البشر ولها دستور مُوحَّد يُخضع بِعِزّتهِ هذا العالم"....

"أبو بكر الرازي" (٢٥٠-٣١١هـ) هو الربوبي الأكبر في الإسلام ويسبقه في هذا المذهب أبيقوروس اليوناني الذي لم ينكر وجود الآلهة ولكنه أنكر أن الأديان تعبّر عن حقيقته، وهو جوهر المذهب الربوبي. وتأتي تلك الفكرة من الرأي القائل: "بأن الإله مطلق -غير محدود وقديم أزلي- والدين -محدود، متعدد ومستحدث-. وحسب المنطق العقلي كيف للمحدود أن يحتوي اللامحدود؟!" فهو -الإله الحق- بهذا المعنى غير معروف لأهل الدين؛ "وإنما يدخل إله الأديان قلب المؤمن لمحدوديته".٣ ففي الربوبية يُنظر للإله كتطلع وجداني روحاني -حق مُشاع- مغاير لإله الأديان، فإله الأديان من خلق الإنسان، والخالق الحق سر خفي مجهول أبداً. كما عبّر الرازي في إحتجاجه: "إن الحكمة كانت تُوجِب أن يكون الإلهام مشاعاً بين الناس حتى يتساووا في المعرفة ويجتنبوا التقليد".٤ وكما عبر إبن عجيبة الحسني في إيقاظ الهمم عن درجات المعرفة الإلهية في قوله: "الشريعة أن تعبده والطريقة أن تقصده والحقيقة أن تشهده".


وقد انتج هذا التوجه بين الرازي واقطاب الصوفية وفلاسفة الاسلام إبداعاً حضارياً هو من روائع الأدب الإنساني، كقول محيي الدين ابن عربي في قصيدته الشهيرة: "وقد صار قلبي قابلاً كل صورةٍ*فمرعى لغزلانٍ وديرٍ لرهبانِ". ووضع عبدالحق ابن سبعين (٦١٤-٦٦٩هـ) كتابه الفلسفي تحت عنوان (بُدُّ العارف) والبُد: هو معبد البوذي. وكأنه يريد أن يقول لا يمكن لأحد منكم أن يمتلك الحقيقة ويحتكرها لنفسه بإسم أي دين كان، فحتى ذلك البوذي يستطيع ادراك المعارف الإلهية التي هي مسألة وجدانية قبل أن تكون دينية. أما إبن الفارض فنادى بوحدة الأديان المطلقة، فمن وجهة نظره الكل متساوون في طلب الحقيقة. وطالب بعدم أخذ من خر للأحجار بالعصبية. فلما كان الحق سبحانه ساريا في كل ذرات الوجود وفاعلا فيها، فلا إنكار عليه إذ يناجي المعنى بتلك الصورة فيه:

وإنْ نارَ بالتَّنزيلِ محرابُ مسجدٍ*فما بارَ بالإنجيلِ هيكلُ بيعة ِ

وأسفارُ تَوراة ِ الكَليمِ لِقَومِهِ*يُناجي بها الأحْبارِ في كُلّ ليلَة ِ

وإن خَرَّ للأحجارِ، في البُدّ عاكِفٌ*فلا وجهُ للإنكارِ بالعصبيَّةِ


هذه كانت بعض التمايزات الفلسفية بين المثالية والمادية والربوبية. ونختم بما قاله الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري:

تجري على رسلها الدنيا ويتبعها*رأيٌ بتعليل مجراها ومعتقدُ


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

١، ٢) الثالوث المحرم (الدين-الجنس-الصراع الطبقي)، بوعلي ياسين، الطبعة السابعة ص١٨

٣) مدارات صوفية، هادي العلوي، الطبعة الأولى ص٨٣

٤) شخصيات غير قلقة في الإسلام، هادي العلوي، الطبعة الرابعة ص٢٢٧